تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
يتعامل مع العنف ، بل يتعامل مع الرفق واللين ، ولا يندفع في اتجاه تعقيد المشاكل بل يعمل على حلّها مهما أمكن ، ذلك هو السبيل الذي يجعل من العفو حالة واعية واقعية بدلا من أن تكون حالة مزاجية طارئة لا ترتكز على أساس من وعي وفكر وإيمان . 4 -
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
قد تكون هذه صفة رابعة توحي بأن العفو وحده لا يكفي في إزالة النتائج السلبيّة إزاء الحالة النفسية التي أوجدها الغيظ ، فلا بدّ من الإحسان لتتحوّل السلبيّات إلى إيجابيات . . . وهذا ما يمكن أن تعبر عنه القصة المرويّة في سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام الذي كانت إحدى جواريه تصب الماء من الإبريق على يده ، فسقط على رأسه فشجّه فقالت له :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
، فقال : قد كظمت غيظي ، فأردفت :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
، فقال : قد عفوت عنك ، فقالت :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
، فقال : اذهبي فأنت حرّة لوجه اللّه . 5 - أمّا الصفة الأخيرة فقد حدثنا اللّه عنها في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وهي تتصل بعمق الصلة الروحية باللّه ، مما يجعل من الأخطاء الطارئة التي يفعلها الإنسان في معصيته للّه ، مجرد حدث عابر لا يمتد في حياته ولا يستمر ، بل يتحوّل إلى ندم عميق يبعث في النفس حالة الخشوع التي تدفع إلى الاستغفار والتوبة والإنابة إلى اللّه ، لأن الإصرار على الذنب لا يتناسب مع الإخلاص للّه والسير على خطه المستقيم ، فإن معناه الإيحائي يتمثل في اللّامبالاة النفسية والعملية برضى اللّه وغضبه ، مما يعني ضعفا في الإيمان ، ونقصا في الروحية . . . وقد أكّدت الآية بطريقة الجملة الاعتراضية ، أن اللّه يغفر الذنوب التي يتوب منها الإنسان ، بينما لا يواجه هذا الإنسان في حياته العامّة مثل هذا الفيض السمح من المغفرة لدى الآخرين في ما إذا عاش بعض الأخطاء في حياته العامّة أو الخاصّة . والظاهر أن المراد بالفاحشة في الآية مطلق المعصية التي تمثل تجاوز