تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
إن القرآن يناقش الفكرة بهذا الأسلوب الذي يصور القضية في مقام إثارتها بطريقة أن ذلك ليس من حق النبي ، وليس من شأنه ، من أجل الإيحاء بأنه لا يفعل ذلك ، لأنه لا يتجاوز حدّه الذي حدده اللّه - سبحانه - له ؛ وليس في مقام التنديد بمن يفعل ذلك من الأنبياء ، فإن الآية واردة في مقام الكناية .

الأنبياء يبرزون بشريتهم

وقد نستوحي من هاتين الآيتين أن الأنبياء لا يتحدثون عن أنفسهم كثيرا للناس ليثيروا في حياتهم الشعور بالتعظيم والتقديس لهم ، بل هم - على العكس من ذلك - يعملون على تأكيد جانب البشرية في ذواتهم بشكل صريح مؤكّد ، ويبرزون نقاط الضعف البشري بطريقة واضحة . . . كما نجد ذلك في ما حكاه اللّه عن رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في حوارة مع المشركين ، الذين طلبوا منه فعل بعض خوارق العادة التي يقترحونها للدلالة على نبوّته انطلاقا من عقيدتهم فيه بأنه مزوّد بطاقات هائلة يستطيع أن يقوم من خلالها بكل شيء يطلب منه . فقد أجابهم بقوله :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] ؛ وقوله :
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
[ الأعراف : 188 ]
إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
[ الأعراف : 203 ] ؛ وهكذا نلاحظ أن القرآن لم يتحدث عن الأنبياء إلا من خلال صفاتهم الذاتية المتصلة برسالتهم ، كما حدثنا عن حركة الرسالة في حياتهم وما لاقوه من عنت واضطهاد وتشريد . . . وعن بعض نقاط الضعف البشري التي عاشوها في واقعهم الداخلي والخارجي ، من أجل إبعاد الناس عن الضلال والغلوّ ، ليظلّ التصور في العقيدة مشدودا إلى الواقع ، بعيدا عن كل ضروب الخيال والمثال الذي قد يطوف في أخيلة الكثيرين وأفكارهم .