تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

النبوّة والرّسالة

فكانت هاتان الآيتان من أجل أن يضع اللّه - سبحانه - الفكرة في موقعها السليم ، ليدفعنا إلى التفكير في بطلان هذا التعلّل ببطلان الأساس الذي يرتكز عليه .
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ
فإذا كان اللّه قد أرسل بشرا بالكتاب الذي يفصّل للناس حقائق الأشياء في شؤون العقيدة والشريعة والحياة ، ليركّز لهم المفاهيم الحقّة على أساس من الوحي . . .
وَالْحُكْمَ
وأتاه الحكم ليفصل بين الناس في ما اختلفوا فيه من خلال تطبيق الفكرة على حركة الواقع ، لئلا يضيع الناس في متاهات النظريات بعيدا عن التطبيق ،
وَالنُّبُوَّةَ
وأعطاه النبوّة التي هي سفارة النبي بين اللّه وبين خلقه من خلال الوحي الذي ينزل عليه . . .
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
فلا يمكن أن يرسل اللّه مثل هذا الإنسان ويختاره من بين عباده ، إلا إذا كان متمتعا بالصفات العظيمة التي تبعده عن كل انحراف في التصور والسلوك ، وواعيا لدوره وموقعه وامتداد خطه الرسالي ، وعظمة اللّه في نفسه ، وضعة نفسه أمام اللّه ، وشعوره العميق بالعبودية المطلقة أمام الألوهية المطلقة ؛ لتكون رسالته منطلق خير وصلاح وإصلاح وتأكيد على الحقيقة في كل مجالاتها الفكرية والعملية . . . وفي هذا الاتجاه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه من دون اللّه ، لأنه يعرف أن قدراته كلها ، مهما كانت عظمتها ، مستمدّة من اللّه - سبحانه - فإنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا باللّه ؛ ولا يمكن أن يدعوهم إلى اتخاذ الأنبياء الآخرين والملائكة أربابا من دون اللّه ، لأن ذلك هو الكفر الصريح الذي لا يمكن أن يصدر من النبي الذي تتلخص رسالته في تحويل الناس من الكفر إلى الإسلام ، لا في تحويلهم من الإسلام إلى الكفر . إن النبي لا يمكن أن يدعو الناس إلى ذلك ، بل لا بد من أن يدعوهم إلى أن يكونوا ربّانيين متألّهين ، يعلمون كتاب اللّه ويعملون به ويعلّمونه للناس الآخرين ليكون العلم للعقيدة وللعمل وللهداية .
من وحي القرآن — صفحة 127 | السيد محمد حسين فضل الله