أسلموا قبل أن يصيبكم اللَّه بما أصاب قريشا ، فقالوا : يا محمد لا يغرّنّك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ولا يعرفون القتال ، إنك واللَّه لو ما قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل اللَّه
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
إلى قوله :
لِأُولِي الْأَبْصارِ
« 1 » .
وقد لاحظ صاحب تفسير الميزان على هذه الرواية ، أن سياق الآيات لا يلائم نزولها في حق اليهود كل الملاءمة ، وأن الأنسب بسياقها أن تكون نازلة بعد غزوة أحد « 2 » .
وقد نلاحظ ، على هذه الرواية ، أن المألوف في خطاب اللَّه لليهود هو النداء لهم بصفة أنهم ( أهل الكتاب ) لا بصفة « الذين كفروا » ، مع نقطة أخرى ، وهي أن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم لا يستعمل مثل هذا الأسلوب في حديثه معهم ، لا سيّما أن المرحلة كانت مرحلة العهد والميثاق مع اليهود في المدينة ، مما يجعل مثل هذا الحديث نقضا للعهد أو إيحاء بمثل ذلك ، في الوقت الذي لا مصلحة للمسلمين أن يدخلوا في حرب جديدة يبتدءونها بهذا الشكل من الإثارة ، كما أن اليهود آنذاك لا يتحدثون مع النبي بهذه الطريقة الفجّة وجها لوجه ، لا سيما بعد أن عاد منتصرا من معركته في بدر .
ولا مانع من أن تكون الآية وما بعدها واردة في سياق الجدال مع المشركين بعد غزوة أحد التي انتصروا فيها بعض الشيء ، أو في مناسبة أخرى مماثلة بحيث كانت مثارا للشماتة بالنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وبالمسلمين ، استضعافا لهم ، فكانت هذه الآيات منطلقا لتذكيرهم بأن القوة المادية قد تضغط بعض الشيء على الموقف في بعض المراحل ، ولكنها لا تمثل القاعدة في مسألة النصر ، لأن موقف المسلمين في بدر التي لم يكن لهم فيها أية قوة مادية ،
هامش
( 1 ) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 158 .
( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 136 .