تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الآية الأولى بضميمة الآية الثانية ، بأن اللّه قد أباح للإنسان كل الطيبات ، فلم يحرّم عليه شيئا منها مما اعتاد الناس أن يأكلوه ويستطيبوه ويتلذذوا به ، فكأنه يقول لهم إن بإمكانهم أن يمارسوا حريتهم في الأكل من هذه الطّيبات فلا يحرموا أنفسهم شيئا منها ، لأنها من رزق اللّه الذي أراد منه أن يبني للإنسان حياته ، ثم عدد المحرّمات وحصرها في هذه الأربع انطلاقا من الأضرار الجسدية والروحية المترتبة عليها ، كما ذكر المختصون بأن في الثلاثة الأولى :
الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
أضرارا صحية تفسد على الإنسان سلامة بدنه ، أما الرابعة منها ، والمقصود منه ما ذبح على غير اسم اللّه ، كالمذبوح على الأصنام ، أو لها ، فهو لا يتناسب مع المعنى الروحي الذي يريد الإسلام للإنسان أن يعيشه في مأكولاته التي يريدها أن تكون على اسم اللّه ولا تكون على غير اسمه ، لأن في ذلك تأثيرا على جانب الإحساس الروحي بالانتماء إلى اللّه في ما يأكل الإنسان أو يشرب ، ممّا يوجب أن يكون في الذبيحة معنى روحي ينطلق من حصول الذبح على اسم اللّه . وإذا كان التحريم والتحليل يتحركان في خط مصلحة الإنسان الروحية والمادية ومراعاة حاجاته الأساسية في ما يجلب له الراحة في حياته ، فمن الطبيعي أن يكون للتشريع في حالات التحريم حدّ يقف عنده ، وذلك في حالة الاضطرار التي لا يملك الإنسان معها سدّ رمقه بالمحلّل من المأكولات لعدم وجودها أو لتعذر حصوله عليها ، فكانت الإباحة في هذه الحالة منسجمة مع خط السماحة والسهولة في الشريعة الإسلامية ، ولكنها ليست لكل مضطر ، بل هي للمضطر الذي لا يكون باغيا ولا عاديا . وقد اختلف المفسرون في ما هو المراد من هاتين الكلمتين :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
، فاختار بعضهم أن تكون حدا للمدى الذي يحل فيه الأكل وهو أن لا يتجاوز حالة الضرورة فيكتفي بسدّ رمقه ، فلا يزيد على ذلك انطلاقا من القاعدة المعروفة « الضرورات تقدّر بقدرها » .