تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
المباشرة التي تستند إليها الأشياء ، ولكنهم كانوا يتساءلون عن السبب الأول الذي أعطى للأشياء المباشرة قوّة السببية ، فلم تكن القضية لديهم منطلقة من مشاهدات ساذجة ، أو حالات جهل بسيط ، أو انفعالات طارئة ، بل انطلقت من دراسة فكرية عميقة وتأملات ذاتية دقيقة . 3 - أما الناحية الثالثة ، وهي أسلوب القرآن في معالجة الإيمان ، فإننا نجد القرآن الكريم في حديثه عن ظواهر الكون ، ينسب الفعل إلى اللّه ، ولا يغفل دور الإنسان في النسبة في ما يتعلق بالأفعال التي تتصل بإرادته بشكل مباشر ، وذلك بالتعبير نفسه ، كما في قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] فقد أسند العمل إلينا بالأسلوب نفسه الذي أسند فيه الخلق إلى ذاته المقدسة ، فنحن الذين قمنا بالعمل ، وبذلك صحت نسبة العمل إلينا ، أما نسبته إلى اللّه فلأنه أعطانا الحياة والقوة والأدوات التي يحتاجها العمل ، ومنحنا الإرادة التي تتحرك نحو العمل بشكل مباشر ، للإيحاء بأنه السبب الأعمق الذي تنتهي إليه الأشياء في سلسلة الأسباب ، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأنفال : 17 ] ، فهو ينفي عن الإنسان استقلاله بالفعل بالمستوى الذي يرجع إليه كل شيء ، ولا ينفي عنه قيامة بالفعل ، وهكذا تتنوع الآيات القرآنية التي تتحدث عن الأفعال والظواهر الطبيعية في الكون ، وفي حركة الحياة والإنسان ، ليتحدث بأسلوب واحد عن السبب المباشر والأعمق الذي يوحي للإنسان بالمنهج الحق للمعرفة التي تواجه الأسباب المباشرة التي تعطينا الأسس للنظام الكوني ، وتربطنا باللّه في النطاق الغيبي لوجوده .
من وحي القرآن — صفحة 152 | السيد محمد حسين فضل الله