تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
المنطلق من تجسيد الصورة في الواقع كأسلوب من أساليب وضعها في الواجهة من وعي الإنسان وتفكيره . وقد نجد أن لكل واحد من هذين المثلين مهمة في إعطاء الفكرة عن شخصية المنافق تختلف عن الآخر ، ففي المثل الأول تصوير لحالة المنافق وهو يواجه الدعوة التي تشير إلى الطريق المستقيم من خلال النور الذي يضيء الروح والقلب والفكر ، فيبادر إلى الطريق الملتوي الغارق بالظلمة التي تعمي قلبه ، وتغشي بصره ، وتصمّ سمعه . وفي المثل الثاني تصوير لحالته وهو يعيش حياته في أجواء النفاق واهتزازات المواقف بين الظلمة والنور والرعد والبرق ، فتجعله في حيرة مدمرة تأكل قلبه وتمزق روحه ؛ واللَّه العالم بأسرار آياته .
أَوْ كَصَيِّبٍ
مثل هؤلاء المنافقين في حيرتهم الذهنية وقلقهم النفسي ، مثل الناس الذين يتحركون في أجواء الصيّب ، وهو المطر الغزير الهاطل من السماء ،
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
فهو يحتوي في حركته كلها الظلمات المتمثلة بالسحاب الأسود ، والضباب الكثيف ، والليل المدلهم ، والرعد الذي يدوّي فيصمّ الأسماع ، ويثير المخاوف ، ويهزّ الأفق ، والبرق الذي يظهر بين لحظة وأخرى بكل قوة فيثير الفزع من تأثيراته في العيون بقدر ما يثير من النور الساطع الذي يشق الظلام بسرعة ، فيحرّك ذلك الجوّ المتنوع في مخاوفه الإحساس بالخطر ، فتراهم
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
ليتفادوا ضغط الرعد على أسماعهم ، وليتخفّفوا من خطر الصواعق القاصفة المحرقة ، تماما كما لو كان الهروب من الإحساس بصوتها سبيلا للهروب من أخطارها ،
حَذَرَ الْمَوْتِ
الذي قد يأتيهم من خلالها
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
، فلا عاصم من أمر اللَّه ، لأن الأجل يأتيهم من كل مكان ، وبأكثر من سبب ، فلا يحميهم منه شيء ، ولا هناك من يستجيرون به .