تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
استخدام وسائلها الطبيعية . المثل الثاني في قوله تعالى :
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. حاول بعض المفسرين اعتبار التشبيه في المثل خاضعا لمفردات الظواهر الموجودة في الصورة ، وذلك بتشبيه الإسلام وما فيه من نور يهدي السائرين إلى الطريق الحق ، بالبرق الذي يهدي الناس في دياجير الظلام ، وبتشبيه الظلمات بشبهات الكفر والضلال التي توقع الإنسان حائرا في خطوات الطريق المظلم . . أمّا الرعد والصواعق ، فقد شبه بهما الإنذار بالعذاب والهول الذي يوجهه القرآن للضالين والمنحرفين عن الصراط المستقيم . وهكذا يكون المثل من تشبيه مفردات صورة بمفردات صورة أخرى ، فلا تكون الصورة هي مركز التشبيه هنا ، وقد يكون مثل هذا القول واردا من خلال طبيعة التركيب اللفظي ، ولكن الجو العام للموقف ، يوحي بانطلاق التشبيه في حركة الصورة بعيدا عن المفردات ، لأن القضية هي قضية الحالة الداخلية لشخصية المنافق الذي يعيش الازدواجية الداخلية في الفكر والشعور ، التي تفرض عليه الجو القلق الحائر ، حيث تتأرجح مشاعره بين لمعات الطهر ونزوات الخبث ، وتضطرب أفكاره بين أفكار الخير وأفكار الشر ، وتختلط في عينيه مواقع النور وكهوف الظلام ، وتزدحم في سمعه صرخات العذاب وهدهدات النعيم ، وقد تؤكد لنا هذه الصورة ، أننا نعتبر ازدواجية المنافق في حياته العملية نابعة من ازدواجيته الداخلية في فكره وشعوره ، ولعلّنا نلمس الروعة في التشبيه في هذا الإطار الذي تهتز فيه الصورة بالحركة وتموج بالحياة ، لأنه يصبح أكثر انسجاما مع طبيعة الفكرة التي يوحي بها المثل
من وحي القرآن — صفحة 162 | السيد محمد حسين فضل الله