تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
؟ وهل يتّفق هذا مع فكرة الاختيار التي نؤمن بها في مقابل فكرة الجبر التي يقول أصحابها : إن العباد مجبورون على الكفر والإيمان وعلى نتائجهما في الطاعة والعصيان ؟ والجواب : أن هناك اتجاهين في تفسير الآية : الأول ؛ الاتجاه الذي يجعل القضية واردة مورد التشبيه المجازي ، فقد جاء في الكشّاف للزمخشري : « فإن قلت : فلم أسند الختم إلى اللَّه تعالى ، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه ، وهو قبيح ، واللَّه ، يتعالى عن فعل القبيح علوّا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه ، وقد نص على تنزيه ذاته بقوله :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ ق : 29 ] ،
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
[ الزخرف : 76 ] ،
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل ؟ قلت : القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها . وأما إسناد الختم إلى اللَّه عز وجل ، فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي ، ألا ترى إلى قولهم : فلان مجبول على كذا ومفطور عليه : يريدون أنه بليغ في الثبات عليه . . ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ، وهي
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
مثلا ، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك ، وطارت به العنقاء إذا أطال الغيبة . وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته ، وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء . فكذلك مثلت حال قلوبهم في ما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللَّه عليها نحو قلوب الأغنام ( الغنم : العجمة ، والأغنم : الأعجم الذي لا يفصح شيئا ) التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم ، أو بحال قلوب البهائم أنفسها ، أو بحال قلوب مقدر ختم اللَّه عليها حتى لا تعي شيئا ولا تفقه ، وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله ، وهو متعال عن