تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
مجالا أن يعملوا للآجلة ، ليوم ثقيل بأوزارهم التي قدموها ، فبدل أن يجعلوا هذا اليوم الأمام إمامهم : يذكرونه ويعملون له ، إنهم يذرونه وراءهم ظهريا كأنه لا يأتيهم ، وإنما العاجلة أمامهم وإمامهم ، يبصرون إليه فيعميهم ، ولا يبصرون به ليبصّرهم :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 30 : 7 )
غرقى في عاجلة الدنيا الخفيفة التي تمضي على أية حال ، وغافلين عن الآجلة الثقيلة البعيدة المدى : ثقيلة بخلودها ، ثقيلة بنتائجها ، ثقيلة بحسابها ، فيا لهم من غفوة وغفلة شملتهم وأعمتهم وجنّتهم ، حياتا صبيانية زهيدة حمقاء !
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا
: لفتة تذكر هؤلاء الغافلين المعتزين بقوتهم ، المعتزمين التغافل طول حياتهم ، تذكّرهم بمبتدئهم ومنتهاهم : فقد صدروا بخلقهم وشدة أسرهم - : ربطهم الموثق ، - صدروا من الخلاق الحكيم ، أسرا وربطا موثقا بين الروح والجسم ، وبين أجزاء كلّ منهما ، وبينهما وبين العالم الخارجي ، وبينهما وبين اللّه تعالى بما فطر الإنسان على معرفته ، وسوف يبقى أسر الروح بجسمها إذ يتلاقيان يوم المعاد ، فويل هذا الإنسان إذ يجعل نفسه في أسر الشهوات ، ويفك أسره ووثاقه عن ربه ! . بدأوا من اللّه وليسوا بمعجزيه ، وإذا شاء بدّلهم أمثالهم « 1 » : أمثالهم في المادة والصورة ، كأن يفنيهم ويأتي بخلق جديد :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 14 : 19 )
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
( 70 : 40 - 43 ) .
هامش
( 1 ) . بدّل يقتضى مفعولين ، ذكر ثانيهما « أمثالهم » وحذف الأول « هم » . بدلناهم أمثالهم .