تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قسما بهذه الشواهد الكونية ، إن الآيات القرآنية لإحدى الكبر ، هي الوحيدة بين آيات اللّه الكبرى ، فإن الآيات المعجزات لمن سبق من الرسل كانت وقتية بصرية وقد زالت ، على كونها كبيرة في وقتها ومغزاها ، ولكنما القرآن آية خالدة تجري كجري الشمس ، ويشرق على قلوب وأفكار المكلفين ما طلعت الشمس وغربت ، فهو شمس لا تغرب ، بل وتزداد نورا وبهورا على مرّ الدهور ، وانها تفك النفوس عن رهانة الأعمال الأغلال التي تسوقها إلى سقر .
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيراً لِلْبَشَرِ
فالقرآن نذير بشير ، والسقر نذير ، والتسعة عشر نذير للبشر :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
فهذه النذارة الإلهية من القرآن ومن سقر وتسعة عشر ، انها للبشر كل البشر ، مخيرا دون مسير :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ
اختيارا للتقدم فنعمّا ، أو للتأخر فبئسما :
أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
.
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
. لقد هيّأ اللّه دوافع تقدم الإنسان إلى المثل العليا بالفطرة التي فطر الناس عليها ، وبالعقول المتصلة وأخرى منفصلة هم رجالات الوحي ، فمن شاء تقدما في فطرته وعقله على ضوء السنن الإلهية ، الكونية والتشريعية ، فحسبه القرآن هاديا له وسراجا منيرا ، ومن تخلف عن ذلك كله وانحاز إلى الشهوات والمغريات فهو المتأخر عما هيأ اللّه له فلا يلومن إلّا نفسه :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
.
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
ان رهانة النفوس بأعمالها ضابطة عامة تعم المكلفين أجمع ، وإن كانوا مؤمنين بعضا ، إلا أصحاب اليمين
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 52 : 21 )
رهانة معتدلة قابلة للتخفيف لمن آمن مهما أخطا وعصى ، ورهانة مؤكدة لغير المؤمن وكما يوحيها « رهينة » فإنها ليست هنا للتأنيث ، لاستواء المذكر والمؤنث في الفعيل ، بل للمبالغة ، فمن النفوس رهين ومنها رهينة ومنها غير رهين كأصحاب اليمين ومن فوقهم ، فإن لهم