تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
بينك وبين الهجرة الحاسمة جذورهم بالجهاد ، وبينهم وبين قتلهم أو موتهم إلى عذاب النار وبئس القرار . فلقد كان صبره جميلا على طول الخط ، وامهاله القليل جميلا ، وكله بأخلاقه وتصرفاته جميلا أينما كان ، فحق له قول اللّه
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
. فحمل الرسالة الإلهية وتنفيذها ببلاغها بحاجة إلى صبر جميل : صمودا واستقامة للوصول إلى المغزى في سبيلها الشاق الطويل ، فالصبر للرسول - هكذا - زاد وعتاد ، وجنة وسلاح ، وملجأ وملاذ ، بجانب ما عنده من وسائل الدعوة وتدابيرها ، صبرا مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها ، وصبرا مع أعداء الدعوة وكيدهم ، وصبرا مع المؤمنين ، على قلتهم ، وقلة صبرهم ، وكثرة استعجالهم ، وصبرا مع عامة النفوس التي لا تخلو من تسرعات في حق أو باطل .
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
ولو مهلتهم عمر الدنيا فهو قليل ، فكيف بأعمارهم التي ليست إلا قليلا في قليل ، وكيف بإمهالهم إلى زمن الهجرة وهو أقل من القليل ، فلتصبر هنا وهناك صبرا جميلا ، ولتمهلهم قليلا :
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً
. فلدينا من أنكال ما ليس لديك مهما كان نكالك عليهم شديدا . إن أنكال النار وقيودها وأغلالها هي هي التي قدموها لأنفسهم يوم الدنيا إذ كانوا أنكالا في سبيل اللّه ، وكانت عليهم أغلال الشهوات فاثّاقلوا إلى الأرض ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ، فأكملت شهواتهم يوم الدنيا ، ثم ظهرت أنكالا يوم الدين جزاء وفاقا .
طَعاماً ذا غُصَّةٍ
: الذي يمزق الحلوق ويحرق الحناجر ، كما كانت حياتهم غصة وكان الحق شجى في حلوقهم ، كما كانوا شجى في حلوق المؤمنين وقذى في أعينهم ، وبصيغة شاملة كانت حياتهم عذابا أليما على الدعوة والداعين والمدعوين ،