تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وبما ان الطرائق جمع طريقة ، والقدد جمع قدة وهي المستمرة بالقدّ في جهة واحدة ، المشقوق طولا ، نستوحي أنهم كانوا ولا يزالون في مبادئ متباينة ، كل يباين الآخر ، كما المقدود يباين بعضه البعض ، وبما أن أقل الجمع ثلاثة فطرائقهم المباينة إذا : رسلهم ومردة الشياطين وبينهما المؤمنون على شتات درجاتهم ، فلا رسل الجن يكفرون أو يفسقون ، ولا شياطينهم يرسلون أو يؤمنون ، ولا المتوسطون يشيطنون ، وان كان المرسلون يصطفون من بينهم ولا بدّ ، ونرى القرآن هكذا يقتسم الجن إلى هؤلاء الثلاث ومنهم الشياطين وهم ذرية الشيطان الأكبر وذريتهم أيضا ، هم قدة مستمرة في الكفر لا يؤمنون كأنهم من صنف آخر :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ( 18 : 50 )
وهذه ميزة أخرى بين الجن والإنس ، إذ لا نجد من الإنس من هم قدة مستمرة في الكفر بذرياتهم ، فقد يولد مؤمن من كافر أو كافر من مؤمن . هنا نكرر براءة رسل الجن عما ينسب إليهم أنهم كانوا ذيولا لسفهائهم قبل سماع القرآن ، سنادا إلى تفسير رديء لقولهم
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
رغم انه يطهرهم للغاية كما أسبقناه ، ثم هذه الآية تجعلهم من الصالحين تماما منذ كانوا ، مما يذود عنهم وصمة الغواية عن جهالة . فهؤلاء الرسل الكرام ، القدة الصالحة ، مرسلون إلى من هم دون ذلك ، إلى شياطينهم وسفهائهم لإلزام الحجة ، وإلى من بين القدتين لإيضاح المهجة ، ولئلا تكون لهم حجة على اللّه بعد الرسل وللّه الحجة البالغة . وما أجمل هذا التقرير عن مصير الجن في بيئتهم : ازدواجية الطبيعة والاستعداد لكلا النجدين : الخير والشر ، إلا من تمحّض منهم للشر وهو إبليس وقبيله بذريتهم ، ومن تمحض للخير كرسل الجن ، تمحضا بالطبع والسعي معا ، رغم التصور الغالط عندنا وحتى بعض الدارسين : ان الجن يمثلون الشر أيا كانوا ! وأن الإنسان وحده بين الخليقة هو ذو طبيعة مزدوجة ،