تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
إنذارا لمن بقي على الكفر ، فان أجله المعلق إذا جاء لا يؤخر إلى المسمى . فهنا الأجل كلا الأجلين ، وكون المعلق اجل اللّه اعتبارا بان الموت لا يتحقق إلا بإرادته مهما توفرت بواعثه ، وان الحياة لا تبقى إلا بإرادته مهما توفرت عواملها ، فله التأجيل إلى الأجل المسمى فإذا جاء لا يؤخر قط ، وله التعجيل عن المسمى ، فإذا جاء لا يؤخر إلا باذنه ، إذا فلا منافاة بين عدم تأخير اجل اللّه ، وأنه يؤخره إلى المسمى . فلا يحسبن أحد ان اجله بيده ، أو ان له تأجيل أجله أو تعجيله ، انما له تقديم دوافع الموت قبل أجله المحتوم ، ثم إذا شاء اللّه أماته ، وله تقديم دوافع التأجيل إلى المسمى كالايمان ، وقد يشاء اللّه تأجيله ان كان لصالحه .
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
. عرض نموذجي لما بلغه نوح من رسالات اللّه ، وما لاقاه وعاناه من قومه طوال الدعوة مع ما كان منه من صبر على ألوان الأذى طوال الف سنة إلا خمسين عاما :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ( 53 : 52 )
. هذه الدعوة كانت متواصلة ليل نهار دون ملل ولا كلل ولا خلل ، دون أن يمله عدم الإجابة ، أو تكلّه مواصلة الأذى ، يعرضها نوح في نهاية الأمد الطويل من دعوته ومستهل دعائه عليهم بعد الإياس من خيرهم والتأكد من شرهم ومن في أصلابهم .
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
: هل لأن دعوته كانت قاسية يفر منها ؟ أم لأنها كانت ناقصة لا تحمل حججا تقبلها الفطر والعقول ؟ أم لأنهم هم كانوا اظلم واطغى ، ودعوة الحق لا تزيد دعاة الباطل العنيدين إلا ضلالا بما يصرون في عتوهم ونفورهم ونكيرهم للحق الصراح :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 17 : 82 )
إذ يخسرون فيها الدعوة والداعي ويبدلون الرحمة عذابا وخسارا :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً