تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ) مهما كانت الحجج أبلغ وأقوى في غير الفترات الرسالية ، فإنما يداقّ اللّه الناس في الحساب على قدر ما أوتوه ، كما يقتضيه عدله وحكمته البالغة . ونوح عليه السلام يحمل في مستهل الدعوة وفجر الرسالة ، الدعوة إلى أصول ثلاثة هي خلاصة الأساس في الرسالات الإلهية كلها ، مهما افترقت في التخطيط والتفريع والعمق والبساطة والشكليات المناسبة لكل جيل :
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
.
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ
عن عذاب اللّه في الدارين ، ان تركتم هذه الأصول
نَذِيرٌ مُبِينٌ
: مبين لجذور الإنذار وأسبابه ، مبين عملا واقعا جزاء ترك الشريعة ، ومبين كذلك من هنا نتائج تطبيقها .
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
: فعبادة اللّه وحدها ، وكأوّل الفرائض ، هي منهج كامل للحياة ، تشمل التعرف إلى ألوهيته والعمل لعبوديته ، وانها الصلة الوحيدة العريقة بين العبد والمعبود ، وينبثق نظام الحياة عنها ، وهي تشمل توحيده في سائر شؤون الألوهية ، وتطبيق الواجبات الشرعية تجاهه تعالى .
وَاتَّقُوهُ
: تقوى اللّه في عبادته فلا يعبد معه سواه ، وفي طاعته فلا يطع معه سواه ، وفي حرماته فلا تهتك ، انها هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الإنسان على الثبات في عبادته ، وعدم التلفت والتفلّت عنه أو الالتواء في تطبيقه .
وَأَطِيعُونِ
: وطاعة الرسول أولا وأخيرا هي الوسيلة الوحيدة للتعرف إلى عبادة اللّه وتقواه المقصودة الصالحة ، إذ لا تعرف إلا بالوحي ولا سيما الذي يحمله أولوا العزم من الرسل الذين دارت عليهم الرحى . وهكذا نجد البرامج الرسالية طوال عهودها ، تحمل هذه البنود البناءة كأصول الدعوة بالإنذار والتبشير ، ثم الفروع تتبناها مهما اختلفت باختلاف المصالح والبيئات ، وليبلوهم اللّه تعالى فيما آتاهم :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
. . .
لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 5 : 48 )
.