تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
فكيف تدعى من دون اللّه ، وهذا وإن كان في نفسه صحيحا ولكن الصيغة الصالحة له صحيحة فصيحة هي « يعلم أنهم لا يدعون من دونه من شيء » إلّا ان عنايتها ضمن الثلاثة الأولى لا بأس بها ، فعلّ الأربعة كلها معنية ، ويا لها من جماع العلم المحيط للّه
« سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. وإن الأمثال المضروبة للناس في هذا القرآن بالغة لحدّ من التمثيل منقطع المثيل أنها
« ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ »
فرغم ان جماعة من المشركين المجاهيل يتخذونها مادة للسخرية والتهكم قائلين : ان رب محمد يتحدث عن الذباب والبعوضة والنحل والعنكبوت ،
« إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا . . » ( 2 : 26 )
. فالعالمون هناك هم المؤمنون هنا ، كما الذين لا يعلمون في آيات عدة هم الذين كفروا ، فالإيمان باللّه يزيل الأغشية عن الأبصار والبصائر فأصحابها يعقلون تلك الأمثال الحكيمة القرآنية ، كما والعالمون العلوم التجريبية يعقلون ، فان كانوا مؤمنين فأحرى وأكثر ، وان كانوا كافرين فقد يهتدون بها ان أرادوا الهدى ، حيث العلم بنفسه طريق الهدى إذا لم تخلطه الردى . والعقل الحرّ أيا كان يعقل هذه الأمثال مهما كان مجردا عن علم الايمان وسائر العلم ، إذا فالعقلية الايمانية ، ثم العلمية ، ثم العقلية المجردة ، هي شركاء ثلاثة في أن تعقل هذه الأمثال دون اختصاص بعقلية الايمان ، وإلّا لم تعد هذه الأمثال تنفع غير المؤمنين ، والذين اتخذوا من دون اللّه أولياء هم الموجّه لهم في الأصل ذلك المثل الأمثل ، تحريضا لهم ان يعلموا الحق منه ومن أمثاله بالتعقل ، وما القولة الكافرة
« ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا »
إلّا جاهلة تخالف العقل .
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 67 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني