وموسى ( عليه السلام ) هو آخر نبي في هذا العرض المسلسل لأنبياء عدّة ، ولكنه خاصر يكتفى فيه بإرساله إلى فرعون وملاءه بآيات رسولية ورسالية «
فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
» ثم «
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
» وقد يغني المضي في « أوردهم » دون « يودهم » أنه أوردهم النار في الحياة الدنيا من ذي قبل ، فهم يردون النار التي أوردهموها من قبل «
وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
» .
فقد جعل فرعون في هذه الاستعارة اللطيفة ، في تقدمه قومه إلى النار ، بمنزلة الفارط المتقدم للوارد إلى الورد ، كما كان في الدنيا متقدمهم إلى الضلالة وقائدهم إلى الغواية ، وجعل النار بمنزلة الماء الذي يورد «
وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
» فإنه ورد لا يجيز الغصة ولا ينقع الغلة .
وبينما نسمع هنا حكاية عن ماض ووعدا عن مستقبل إذا المشهد ينقلب وكأن المستقبل ماض قد مضى ، إذ قد مضى أصله ، وهو متحقق الوقوع في المستقبل .
وهنا «
سُلْطانٍ مُبِينٍ
» بعد « بآياتنا » توصيف رصيف للآيات ، بأن فيها سلطة مبينة ، ثم تعميم بعد تخصيص حيث الآيات هي الآيات المعجزات ، وسلطان مبين هو كل البينات التي تبيّن الحق سواء أكانت هي الآيات المعجزات ، أم سواها من حجج بالغة ربانية ، فمن السلطان مبين ومنه غير مبين ، فالسلطان الفاضي عن الحجة هو قاهر قاصر عن المحجة ، والسلطان الفائض بالحجة هو سلطان على الفطر والعقول ، وقد يجتمعان كما في سلطان ثعبان العصى فإنه برهان حسي مخيف ، وأفضل منه سلطان القرآن حيث هو مجمع كل سلطان في كل الحقول ، فطريا وعقليا وعلميا وحسيا وما أشبه .
ثم الورد هو الماء الذي يرده الحيوان العطاش ، وهو المورود لهم ، والإنسان بطبيعة الحال له ورد مورود بما يقدمه من أعمال ، فإن كانت صالحة فنعم الورد المورود هنا وفي الأخرى ، وإن كانت طالحة فبئس الورد المورود فيهما ، حيث « يسقون » الأولون «
مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
» ( 83 : 26 ) ثم الآخرون لهم