وصلة حاضرة لبغية غائبة ف «
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ . .
» .
أجل «
قالُوا يا شُعَيْبُ
» لأنك في شق صلاتك ونحن في شق آخر فلا تجاوب بيننا ولا تفاهم ، ولأنك لا تقول صالحا تقبله العقول .
إذا «
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
» وهكذا تقول الجاهلية المتحضرة نسخة حاضرة عن الغابرة وعلى طول الخط ، تقول أمام كافة الحجج الرسالية البالغة « لا نفهم » حطّا لموقعها عن أن تفهم ، وأنها لغز وأساطير لا يفهمها الفاهمون ، وإعذارا لأنفسهم ألّا حجة فيما لا يفهمه المكلفون .
أجل «
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
» فلا قوة لك في الحجة تفهم أو تفحم «
وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً
» لا تقوى علينا ، ولا تعني « ضعيفا » أنه أعمى كما قيل ، فقد يكون الأعمى أقوى من البصير ، وأن العمى ليست نسبية ، وهنا « فينا » تختص ضعفه بذلك الظرف ، فلا قوة لك في هذه اللجة تفحم ، فتحملنا على قبوله بتأمل أو تعمّل ، اللّهم إلّا رهطك ، «
وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
» وهو أنحس عذاب وأتعسه ثم «
وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ
» لا عزة الحجة ولا عزة القوة ، فأنت بيننا ضعيف ضعيف لا دور لك إلّا كور ، وإنما العزيز المانع من رجمك هو رهطك بعزة المنعة أم عزة الكرامة أماهيه .
فحين تفرغ النفوس من العقلية الصالحة وتغرق في الجاهلية الطالحة الكالحة ، فإنها تقبع على الأرض بشهواتها ومصالحها الحيوانية ، إذا فلا ترى حرمة لدعوة كريمة ، ولا تتحرّج عن أي بطش بالداعية الصالحة ، إلّا أن تكون عصبة تعصبه وتؤويه ، أم قوة مادية أخرى تحميه ، وأما حرمة الحق وكرامته فلا وزن لها ولا ظل في هذه النفوس النحيسة الذليلة الفارغة الخاوية !
« فوالله الذي لا إله إلا هو ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة »
« 1 » .
هامش
( 1 )
الدر المنثور 3 : 348 - أخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب : «وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً» قال : كان مكفوفا فنسبوه إلى الضعف «وَلَوْ لا رَهْطُكَ» ، قال علي : فو اللّه الذي . . .