تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
السؤال ! ، ثم «
إِلَّا تَغْفِرْ لِي
» صدا عن هكذا سؤال غفر الدفع ولمّا يحصل ، دون غفر الرفع بعد ما حصل
« وَتَرْحَمْنِي »
حدا صالحا بكل سؤال «
أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
» موقف العبودية السليمة وكامل التسليم . وأقصى ما يحتمل هنا أن سؤاله الاستعلام أيضا كان غير محبور ولا مشكور ، فإنه كان يعلم أنه تعالى «
أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
» وأن « ابنه من أهله » وقد استثنى أهله «
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
» ومع الوصف أهلك ابنه مع سائر الظالمين ، وقضية الأدب الرسالي هي كامل السكوت في مثل ذلك الموقف الرهيف الرعيب . ولكنه لمّا يسأل - مهما كان في حضون السؤال - ذلك السؤال الاستعلام حتى أدركته العصمة الربانية فلم يسأل ، وكل ما في الأمر أنه عرض المسرح بموقفه منه راجيا أن يوضّح له ربه ليعلم بعد جهل ، وهو عرض أديب أريب ، ولكنه تعالى أراده ألّا يسأل ولا يطرح مسرح السؤال ، وقد فعل فلم يسأل استعلاما فضلا عن اعتراض ، وإنما عرض الموقف كما عرضه أيوب : «
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
» ( 38 : 41 ) عرضا دون أي سؤال لا محبور ولا محظور . ذلك ، ففي مثلث العرض : الاستعلام والاستفهام والاستفحام ، لم يكن من نوح ( عليه السلام ) حسب النص إلّا العرض ، وقد كفاه ربه عن استعلامه ب «
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
» ونهاه عن مستقبل سؤال : «
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ . .
» ، ولو اعتبر العرض للسؤال - أيضا - سؤالا ، فغاية ما فيه أنه رغم كونه من حسنات الأبرار ، هو من سيئات المقربين ، فلا تنافي كيان العصمة الرسالية . فهل إن محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) الذي يؤمر بالسؤال : «
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
» إذا سأل ما يجهل يفعل محظورا ؟ فضلا عن العرض للسؤال وهو أدب في حقل السؤال ، فليس ذلك العرض من سيئات المقربين ، فضلا عن كونه سيئة في شرعة اللّه ، مهما كان سؤاله عن أمره تعالى دون سؤال نوح ( عليه السلام ) .