« بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ »
كل البعد من جهات عدة تمنع هؤلاء عن تلك العدّة .
ولقد ركزت الآيات السورة منذ الثامنة والثلاثين حتى الأخيرة - وهي أكثر من ثلثي آياتها - ركزت على حث الجهاد والتنديد بالمتكاسلين عنه من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، مما يبين شدة وطأتهم وتواطئهم ضد الإسلام ، وتباطئهم عن مشاركة الجهاد .
فهؤلاء هم المندّد بهم طيلة هذه الآيات ومنها « إلا تنصروه » دون كافة المؤمنين كما قد يزعمه أصحاب صاحب الغار ، تبجيلا لصاحبهم وتخجيلا لسائر الأصحاب ، فما أجهلهم في ذلك التفسير التعتير التعيير ، إزراء بكافة المؤمنين بمن فيهم من أفاضلهم كالإمام علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومن أشبه .
ولأن شؤون نزول الآيات ليست لتحددها بحدودها السابقة ، فهي - إذا - مطلقة منطلقة - مطبقة على كافة الموارد المشابهة من الحروب القاصية العاصية ، فكلما كان الخطر أعظم فالمسؤولية لدفعه أهم وأضخم على مدار الزمن الرسالي ، دون اختصاص بالزمن الرسولي .
لذلك لا تجد في ذلك المسرح الطائل ولا لمحة لخصوص غزوة تبوك ، مع العلم أن اللَّه صرح بمسرح بدر وحنين والأحزاب وما أشبه ، على أن هذه المصرح بها أيضا ليست لتقف بخاصة مواقفها ، حيث التاريخ يتجدد دونما وقفة أبدا ، فلتجدّد المسؤوليات أمام حوادثها وكوارثها على طول الخط .
أجل و
« لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً »
معروضا عليهم من قرب
« وَسَفَراً قاصِداً »
يقصد لكل قاصد « لاتبعوك » لمكان الأريحية القاصدة لهؤلاء المنافقين ، وسترا على كفرهم كأنهم من الموافقين
« وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ »
الشقة الشاقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة وتتعاسر العزائم الهابطة .
فكثيرهم أولاء الذين يتهاوون في صاعد الطريق وسامقه إلى الآفاق