تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 )
. وهنا قلتان ، قلة واقعية لكم في أعينهم لكي يستيهنوكم فلا يبالغوا في الاستعداد للمواجهة روحيا ، وفي سائر القوات فيقدموا على نضالكم برخوة واستهانة دون أية جدية ثم وقلة في الرؤية لهم في أعينكم لكي تستهينوهم فتقدموا على نضالهم دونما تخوف ، وقد تعني « يقللكم » تقليل العدد عما هو فهو أقل من واقعه ، أم وتقليل العدد عما هو ، فكذلك الأمر
« لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا »
. وهلّا تناحر بين
« يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ »
هنا وبين
« يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ » ( 3 : 13 )
إن كانت تعني بدرا كما عنته الأولى ؟ كلّا حيث التقليل هنا
« إِذِ الْتَقَيْتُمْ »
وهو بداية الالتقاء ، ثم
« يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ »
بعدها
« لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا »
. فلقد كان في هذا التدبير الرباني ما حرّض الفريقين بخوض المعركة ، تشجيعا للمؤمنين بكل قواتهم ، وإغراء للكافرين ألا يستعدوا لجدية قاطعة في المواجهة ، فلقوة الروحية والتصميم عليها أثرها العظيم أمام ضعف الروحية والتصميم ، ولقد رأى المسلمون الكفار قليلين في استمرارية المعركة ورآهم الكفار كثيرين
« لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا »
كما قضاه
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
ولا سيما هذا الذي قدر وسلم . ذلك ، فليست الغلبة فقط بكثرة العدد والعدد ، بل وأهم منهما نصر اللّه ، والروحية القوية والتصميم في الصميم على لقاء العدو ، وهكذا كان المؤمنون ينتصرون ما كانوا متوكلين على اللّه ، مصممين على تحقيق أمر اللّه ، غير مستكثرين طاقاتهم وإمكانياتهم الحربية ، فأما إذا عكسوا الأمر كما في حنين :
« إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ »
فانهزامة عظيمة ، ومن ثم لمّا رجع الأمر إلى موقعه الصالح فغلبة عظيمة ، وهكذا يثبتنا اللّه تعالى في معارك الشرف والكرامة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 )
. آيات عدة تأمر المؤمنين برعاية سلبيات وإيجابيات في الحروب