تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
لأن تلك الأبحاث الكونية والأدبية ، قد تكون ضرورية ومفيدة أيما فائدة إذا شرح بها القرآن في عصر من عصور الثقافة ، أو لجمهور من المفتونين بالمادة وعلوم الكون ، أو لطائفة من المتأدبين المشغوفين بفنون البلاغة في القول . بينما تكون هذه الأبحاث نفسها نكبة وفتنة ، إذا شرح بها القرآن في عصر من عصور الجهالة ، أو لفئة أخرى من فئات الناس . « وما من أحد يخاطب قوما بغير ما تسعه عقولهم إلا كان فتنة عليهم » . ( 3 ) أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة ، ويلفتهم إلى جلال القرآن ، ويحرّكهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون العظيم الذي سخره اللّه لنا ، انتفاعا يعيد لأمة الإسلام نهضتها ومجدها . وهاك نموذجا على سبيل التمثيل ، وإن أسرف في هذا السبيل ، إسرافا أنساه نفس التفسير والتأويل . قال العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه « القرآن والعلوم العصرية » ما نصه : قال اللّه تعالى :
« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ . وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ . وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ . وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها . إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ »
عبر اللّه تعالى بكاف الخطاب ست مرات ، فجعل الماء لنا ، وتسخير الشمس والقمر لنا ، وتسخير الليل والنهار لنا . وقد آتانا من كل ما سألناه في ضمائرنا ، وما تمنته نفوسنا . فهل هذا الخطاب استثنى منه المسلمون ؟ فهل جعل اللّه الثمرات في الأرض خاصة بغير المسلمين ؟ أم الخطاب عام ؟ . وهل الفلك التي تجرى في البحر ما بين آسيا وإفريقية وأوربة في المحيط الهندي والهادي والبحر الأحمر وبحر الظلمات بين أوربة وأمريكا . هل هذه
مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 570 | الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني