تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
البلاغة إلى الأعلى ، فثنى بأشرف الحيوان ، وهو الإنسان ، ليستلزم ذكره بقية الحيوان ، ثم ثلّث بقوله :
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
فانتقل من الخصوص إلى العموم ، ليندرج تحت العموم . فسبحان منزل القرآن على ما فيه من بديع البيان . ومنها : الاستعارة التصريحية التبعية في قوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
شبّه إزالة ضوء النهار ، وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة ، بجامع الإزالة والتعرية في كل . فكما أن الشاة تتعرى حين يسلخ إهابها كذلك الليل إذا انسلخ عنه النهار زال ضوء ، وبدت ظلمته الحالكة . واستعار اسم السلخ للإزالة والإخراج ، واشتق منه
نَسْلَخُ
بمعنى نخرج منه النهار على طريق الاستعارة التصريحية التبعية . وفيه من المحسنات أيضا الطبقات بين الليل والنهار في قوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
. ومنها : في هذه الآية أيضا التوشيح ، وهو أن يكون في أول الكلام ، معنى إذا علم علمت منه القافية ، إن كان شعرا ، أو السجع إن كان نثرا ، أو الفاصلة إن كان آية . فإن من كان حافظا للسورة ، متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون المردفة ، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل ، علم أن الفاصلة تكون مظلمون ؛ لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم ؛ أي : دخل في الظلمات ما دامت تلك الحال . ومنها : التشبيه المرسل المجمل في قوله :
حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
فإنه شبه الهلال بالعرجون في الدقة ، والتقوس والاصفرار ؛ أي : في رأي العين لا في المقدار . ووجه الشبه مركب من ثلاثة أشياء ، ولما لم يذكر سمي مجملا . ومنها : تقديم المسند إليه لتقوية الحكم المنفي في قوله :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
فإنه أبلغ من أن يقال : لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر ، وآكد في إفادة أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها . فإن قولك : أنت لا تكذب ، بتقديم المسند إليه ، أبلغ من قولك : لا تكذب ، فإنه أشد في نفي الكذب من العبارة الثانية . كما مر .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 65 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي