تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
من بعد نوح كعاد ، وثمود ، واللّه عليم بأفعالهم وبما يستحقون ، ثمّ قسم العباد قسمين : قسم يحبّ الحياة الدنيا ويعمل لها ، وعاقبته دار البوار ، وبئس القرار ، وقسم يعمل للآخرة ، ويسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وأولئك سعيهم مشكور ، مقبول عند ربهم ، ولهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وهؤلاء يمدهم ربهم بعطائه ؛ إذ ليس عطاؤه بممنوع من أحد ، ولكن قد فضّل بعضهم على بعض في أرزاق ، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من درجات التفاوت في الدنيا ، وأبعد مدى . قوله تعالى :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . . .
الآيات ، مناسبة هذه الآيات لما قبلها : أنّ اللّه سبحانه وتعالى لما ذكر أنّ الناس فريقان « 1 » : فريق يريد بعمله الدنيا فقط ، وعاقبتهم العذاب والوبال ، وفريق يريد بعمله طاعة اللّه تعالى ، وهم أهل مرضاته ، والمستحقون لثوابه ، وقد اشترط لنيلهم ذلك أن يعملوا للآخرة ، وأن يكونوا مؤمنين ، لا جرم فصّل اللّه في هذه الآية حقيقة الإيمان والأعمال التي إذا عملها المؤمن كان ساعيا للآخرة ، وصار من الذين سعد طائرهم ، وحسن حظهم . ثم أعقب ذلك بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه ، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وبعدئذ أتبع ذلك بالأمر ببر الوالدين من قبل أنّهما السبب الظاهر في وجوده ، وبالأمر بإيتاء ذوي القربى حقوقهم ، ثمّ بالأمر بإصلاح أحوال المساكين ، وأبناء السبيل ؛ لأن في إصلاحهما إصلاح المجتمع ، والمسلمون كلّهم إخوة ، وهم يد على من سواهم ، ثم قفّى على ذلك بالنهي عن التبذير ، لما فيه من إصلاح حال المرء ، وعدم ارتباكه في معيشته ، وصلاحه إصلاح للأمة جمعاء ، فما الأمم إلا مجموعة الأفراد ، ففي صلاحهم صلاحها ، ثمّ علّمنا سبيل إنفاق المال على الوجه الذي يرضاه الدين ، ويرشد إلى حسنه العقل ، وبعدئذ نهانا عن قتل الأولاد خشية الفقر ، وبيّن أنّ الكفيل بأرزاقهم وأرزاقكم هو ربكم ، فلا وجه للخوف من ذلك ، ثمّ تلا هذا بالنهي عن الزنا ، لما فيه من اختلاط الأنساب وفقدان النسل أو قلّته ووقوع الشّغب والقتال بين الناس دفاعا عن
هامش
( 1 ) المراغي .