للضب ونحوه من الحيوانات ، وذلك أن اللّه سبحانه أمسك جرية الماء عن الموضع الذي انسرب فيه الحوت ودخل فصار كالطاق فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه ، وانجياب الماء عنه بالسرب الذي هو الكوة المحفورة في الأرض ، قال الفراء : لما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر ، فكان كالسرب ، فلما جاوزا ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة ، وذهب الحوت فيه ، انطلقا ، فأصابهما ما يصيب المسافرين من النصب والكلال ، ولم يجدا النصب حتّى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر ، فلهذا قال سبحانه :
فَلَمَّا جاوَزا
، أي : جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة ، مع الخضر ؛ أي : انطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتى إذا كان الغد ، ألقي على موسى الجوع ، ليتذكر الحوت ، ويرجع إلى مطلبه ، فعند ذلك ،
قالَ
موسى
لِفَتاهُ
يوشع
آتِنا غَداءَنا
؛ أي : قرّب لنا ما نتغدى به ، وهو الحوت كما ينبئ عنه الجواب ، والغداء - بالفتح - هو ما يعد للأكل أول النهار ، والعشاء ما يعد له آخره ، واللّه
لَقَدْ لَقِينا
وذقنا
مِنْ سَفَرِنا هذا
؛ أي : من هذا السفر الذي سرناه بعد مجاوزة مجمع البحرين ،
نَصَباً
؛ أي : تعبا وإعياء .
وقرأ الجمهور :
نَصَباً
بفتحتين ، وعبد اللّه بن عبيد بن عمير بضمتين ، قال صاحب « اللوامح » : وهي إحدى اللغات الأربع التي فيها ، ذكره في « البحر » ، قال النواوي : إنما لحقه النصب والجوع ، ليطلب موسى الغداء ، فيتذكر به يوشع الحوت ، وفي الحديث : « لم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره به » ، وفي « الأسئلة المقحمة » : كيف « 1 » جاع موسى ونصب في سفرته هذه ، وحين خرج إلى الميقات ثلاثين يوما لم يجع ولم ينصب ؟
قيل : لأن هذا السفر ، كان سفر تأديب وطلب علم ، واحتمال مشقة ، وذلك السّفر كان إلى اللّه تعالى ، انتهى ، وجملة القسم في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء
قالَ
فتى موسى لموسى :
أَ رَأَيْتَ
قال ابن ملك « 2 » : هو يجيء بمعنى أخبرني ، وهنا بمعنى التعجب ، ومفعوله محذوف ، وذلك المحذوف عامل في
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .