تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة ، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع : فمنها : التشبيه التمثيلي في قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ
لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدد . ومنها : التتميم - ويقال له التمام - في قوله :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
لأن وصف الجنّتين أولا باشتمالهما على أعناب ، ونخيل ثم تمم ذلك بقوله :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
لئلا يتوهّم أنّ الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب ، ولتكون كلّ من الجنّتين جامعة للأقوات والفواكه ، متواصلة العمار على الشكل الحسن ، والترتيب الأنيق ، ثم تمم ذلك أيضا بقوله :
وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً
للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما ، فإن الماء هو سر الحياة ، وعامل النمو الأول في النباتات ، وإذن فقد استكمل هذا الرجل كلّ الملاذ ، واستوفى ضروب النّعم ثم تمم ذلك أيضا بقوله :
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها
لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد . ومنها : الاحتراس بقوله :
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
لأنه احتراس به من أن يكون ثمة نقص في الأكل الذي آتته . ومنها : الكناية في قوله :
آتَتْ أُكُلَها
لأنّه كناية عن تمامها ، ونموها دائما ، وأبدا فليست على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها في بعض السنين ، وينقص في بعض . ومنها : اللف والنشر المشوش في قوله :
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ
الخ لأن « 1 » حاصل ما قاله الكافر من القول الشنيع ثلاث مقالات : الأولى :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا . . .
إلخ الثانية :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ . . .
إلخ الثالثة :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً . . .
إلخ ، وقد تعقبه المؤمن في الثلاثة على سبيل اللف ، والنشر المشوش ، فوبخه على الأخيرة ، بقوله :
أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي
هامش
( 1 ) الفتوحات .