تخيير ، ولذلك عقّبه بقوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ
.
وخلاصة ذلك « 1 » : أنّني في غنى عن متابعتكم ، وإنني لا أبالي بكم ، ولا بإيمانكم ، وأمر ذلك إليكم ، وبيد اللّه التوفيق ، والخذلان ، والهدى ، والضلال ، وهو لا ينتفع بإيمان المؤمنين ، ولا يضره كفر الكافرين كما قال :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
وقرأ « 2 » أبو السمال قعنب وقل الحق بفتح اللام ، حيث وقع . قال أبو حاتم : وذلك رديء في العربية انتهى . وعنه أيضا ضم اللام حيث وقع كأنّه اتباع لحركة القاف ، وقرأ أيضا الحقّ بالنصب ، قال صاحب « اللّوامح » هو على صفة المصدر المقدر ؛ لأنّ الفعل يدل على مصدره ، وإن لم يذكر ، فينصبه معرفة كنصبه إيّاه نكرة ، والتقدير : وقل القول الحقّ ، وقرأ الحسن ، وعيسى الثقفي بكسر لامي الأمر .
ولما هدد السامعين بأن يختاروا لأنفسهم ما يجدونه غدا عند اللّه ، أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والمعاصي ، والوعد على الأعمال الصالحة ، وبدأ بالأول فقال :
إِنَّا أَعْتَدْنا
راجع « 3 » لقوله :
وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
الخ راجع لقوله :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ
فهو لفّ ونشر مشوش ؛ أي : إنّا أعددنا وهيأنا ،
لِلظَّالِمِينَ
؛ أي : للكافرين
ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
؛ أي : نارا عظيمة عجيبة ، أحاط بهم سورها ، وجدرانها ، وفسطاطها ، فلا مخلص لهم منها ؛ أي : إنا قد أعددنا لمن ظلم نفسه ، وأنف من قبول الحق ، ولم يؤمن بما جاء به الرسول نارا ، يحيط بهم لهيبها ، المستعر من كل جانب ، كما يحيط السّرادق والفسطاط بمن حل فيه ، فلا مخلص منه ، ولا ملجأ إلى غيره ، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقّق ،
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا
من العطش ؛ أي : وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة ، وهم في النار ، فيطلبوا الماء لشدة ما هم فيه من العطش لحر جهنم ، كما قال في سورة الأعراف حكاية عنهم :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
، أي : كدري
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) البحر المحيط .
( 3 ) الفتوحات .