الهرب من أمر أراده به .
وفي « 1 » أمره تعالى أن يتلو ما أوحي إليه ، وإخباره أنه لا مبدّل لكلماته ، إشارة إلى تبديل المتنازعين في أهل الكهف ، وتحريف أخبارهم ، وهذه الآية آخر قصّة أهل الكهف .
ثمّ شرع سبحانه في نوع آخر ، كما هو دأب الكتاب العزيز فقال :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
؛ أي : احبسها وثبتها مصاحبة
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
، ويذكرونه
بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
؛ أي : في أول النهار وآخره ، والمراد الدوام ؛ أي : مداومين على الدعاء في جميع الأوقات ، أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير ، والعشي لطلب عفو التّقصير ، وقال ابن عمر ، ومجاهد ، وإبراهيم :
وَالْعَشِيِّ
إشارة إلى الصلوات الخمس ، وقال قتادة : إلى صلاة الفجر ، وصلاة العصر .
وقرأ نصر بن عاصم ، ومالك بن دينار ، وأبو عبد الرحمن ، وابن عامر :
بالغدوة بالواو ، واحتجوا بأنها في المصحف كذلك مكتوبة بالواو قال النّحّاس :
وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو ، ولا تكاد العرب تقول : الغدوة ، وجملة قوله :
يُرِيدُونَ
بدعائهم في تلك الأوقات
وَجْهَهُ
تعالى ، ورضاه ، حال من الضمير المستكن في يدعون ؛ أي : يدعون ربهم حالة كونهم مريدين بدعائهم ، وعبادتهم ، وجهه تعالى ورضاه ، لا شيئا آخر من أعراض الدنيا .
والمعنى : أي احبس نفسك وثبتها مع فقراء الصحابة ، كعمار بن ياسر ، وصهيب ، وبلال ، وابن مسعود ، وأضرابهم ممن يدعون ربّهم بالغداة والعشي بالتسبيح ، وصالح الأعمال ، ابتغاء مرضاة اللّه ، لا يريدون عرضا من أعراض الدنيا ، ولا شيئا من لذاتها ونعيمها .
روي : أن عيينة بن حصن الفزاري ، أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يسلم ، وعنده جماعة من فقراء أصحابه ، فيهم سلمان الفارسي ، وعليه شملة قد عرق فيها ، وبيده خوص يشقه ، ثم ينسجه ، فقال له : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات
هامش
( 1 ) الشوكاني .