وقيل « 1 » : في الكلام تقديم وتأخير ، أي : أو لم يروا أنّ اللّه الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ؛ قادر على أن يخلق مثلهم .
فَأَبَى الظَّالِمُونَ
؛ أي : أبى المشركون ، وامتنعوا من الانقياد للحق ، ولم يرضوا
إِلَّا كُفُوراً
؛ أي : إلا جحودا به ، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ، للحكم عليهم بالظلم ، ومجاوزة الحد ؛ أي : وبعد إقامة الحجة عليهم ، أبوا إلا تماديا في ضلالهم ، وكفرهم مع وضوح الحجة ، وظهور المحجة ،
ثمّ بيّن السّبب في عدم إجابتهم إلى ما طلبوا من الجنات والعيون بأنهم لو ملكوا خزائن الدنيا . . لبقوا على شحهم ، فقال :
قُلْ
لهم يا محمد
لَوْ
تملكون
أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
؛ أي : خزائن رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات ، وأنتم مرفوع بفعل يفسره المذكور ، على أنّ الضمير المنفصل بدل من الضمير المتصل ، وهو ( الواو ) لا مبتدأ ؛ لأن ( لو ) لا تدخل إلا على الفعل ، والأصل لو تملكون أنتم تملكون كما قدّرنا آنفا ( إذا ) ؛ أي : لو ملكتموها
لَأَمْسَكْتُمْ
ما ملكتم عن الإنفاق
خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
؛ أي : مخافة الفقر ، فلا فائدة في إسعافكم بذلك المطلوب الذي التمستموه . أو معنى
لَأَمْسَكْتُمْ
لبخلتم « 2 » ، من قولك للبخيل ممسك ، فلا يقدّر له مفعول ،
خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
؛ أي : مخافة عاقبة الإنفاق ، وهو النفاد
وَكانَ الْإِنْسانُ
؛ أي : جنسه
قَتُوراً
؛ أي : بخيلا منوعا بطبعه ، لأن يبني أمره على الحاجة ، والضنة بما يحتاج إليه ، وملاحظة العوض فيما يبذل ، فالبخل والحرص من الصفات المذمومة ، فلا بدّ من تطهير النفس عنهما ، وتحليتها بالسّخاء والقناعة ، وترك طول الأمل ، فإن الشّيطان يستعبد البخيل ، ولو كان مطيعا ، وينأى عن السخيّ ، ولو كان فاسقا ، وجنس الإنسان ، وإن كان قتورا مخلوقا على القبض واليبوسة كالتراب ، إلا أن من أفراده خواص متخلقين بصفات اللّه تعالى ، ومتحققين بأسرار فعاله .
قال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه في مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم :
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) روح البيان .