وأدناها - بحسب زعمكم - ، وهذا خلاف الحكمة ، وما عليه عقولكم ، وعادتكم ، فإنّ العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشّوب والنّقص ويكون أردأها وأدناها للسادات .
وعبر عن البنات بالإناث إظهارا لجهة خساستهن ؛ لأنّ الأنوثة أخسّ أوصاف الحيوان .
والمعنى « 1 » : أفضّلكم على جنابه ، فخصّكم ربّكم بالذكور من الأولاد ، واتخذ من الملائكة إناثا ، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم ، بل تئدونهنّ ، وتقتلونهن ، فتجعلون له ما لا ترضون لأنفسكم .
وخلاصة ذلك : أنّهم جعلوا الملائكة إناثا ، ثم ادعوا أنّهن بنات اللّه ، ثمّ عبدوهن ، فأخطئوا في الأمور الثلاثة ، خطأ عظيما ، ومن ثمّ قال :
إِنَّكُمْ
أيها المشركون
لَتَقُولُونَ
بإضافة الولد إليه تعالى
قَوْلًا عَظِيماً
أي : قولا فظيعا لا يجترئ عليه أحد ؛ حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام المتجانسة السّريعة الزوال ، ثمّ تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولاد ، وتفضّلون عليه أنفسكم بالبنين ، ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف الخلق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان .
ونحو الآية قوله تعالى
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
95 .
ولما كان هذا الكلام غاية في الوضوح والبيان ، ولا يخفى فهمه على إنسان ،
ثمّ هم بعد ذلك ، أعرضوا عنه نبّه إلى ذلك فقال :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ
؛ أي :
وعزتي وجلالي ، لقد صرّفنا وبيّنا وكررنا في هذا القرآن الكريم الآيات والحجج ، وضربنا لهم الأمثال وحذرناهم ، وأنذرناهم
لِيَذَّكَّرُوا
ويتعظوا ، فيقفوا على بطلان
هامش
( 1 ) المراغي .