تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
إذ تصدى كثير من محبي الملك والسلطان ، ومن أدعياء الولاية لدعوى المهدوية في الشرق والغرب ، وتأييد دعواهم بالقتال والحرب ، وبالبدع والإفساد في الأرض ، حتى خرج ألوف الألوف من هداة الدين ، ومرقوا من الإسلام . وقد كان من حصافة الرأي أن يكون خروج المهدي باعثا لهم على الاستعداد لظهوره ، بتأليف عصبية قوية بزعامته ، تجدد الإسلام وتنشر العدل في الإسلام ، لكنهم لم يفعلوا ، بل تركوا ما يجب من حفظ سلطان الملة بجمع كلمة الأمة ، وبإعداد ما استطاعوا من حول وقوة ، واتكلوا على قرب ظهور المهدي ، وأنه هو الذي سيرد إليهم ملكهم بالكرامات وخوارق العادات ، لا بالمدافع والدبابات والطيارات ، والقاذفات ، والأساطيل ، والغواصات ، وقد فاتهم أنّ الحرب كانت بين النبي صلى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين سجالا ، وكان المؤمنون ينفرون منه خفافا وثقالا ، فهل يكون المهدي أهدى وأحسن منه حالا ومآلا ؟ .
قُلْ
لهم يا محمد فيما تبلغه لهم من أمر دينهم
لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي
ولا لغيري
نَفْعاً وَلا ضَرًّا
؛ أي : جلب نفع ولا دفع ضر ، مستقلا بقدرتي على ذلك
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أن يقدرني عليه ، فإذا أقدرني على جلب النفع . . جلبته بفعل أسبابه ، وإذا أقدرني على منع الضر . . منعته بتسخير الأسباب كذلك . وقد كان المسلمون - ولا سيما حديثوا العهد بالإسلام - يظنون أنّ منصب الرسالة يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب ، وأنّ الرسول يقدر على ما لا يصل إليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه وعمن يحب ، أو عمن يشاء ، أو منع النفع وإحداث الضر بمن يكره ، أو بمن يشاء ، فأمره اللّه تعالى أن يبين للناس أنّ منصب الرسالة لا يقتضي ذلك ، وأن وظيفة الرسول إنّما هي التعليم والإرشاد لا الخلق والإيجاد ، وأنّه لا يعلم من الغيب إلا ما يتعلق بذلك مما علمه اللّه بوحيه ، وأنه فيما عدا ذلك بشر كسائر الناس
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ *
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
؛ أي : جلب منافع الدنيا ، ودفع مضراتها
لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
؛ أي : لحصلت كثيرا من الخير بترتيب الأسباب ، كالادخار في زمن الخصب لزمن الجدب
وَ
ل
ما مَسَّنِيَ السُّوءُ
؛ أي : ولما أصابني