والآخر : أنّه مجزوم عطفا على محل
فَلا هادِيَ لَهُ
؛ فإنه في موضع جزم ، فصار مثل قوله : فهو خير لكم ونكفر : في قراءة من قرأ بالجزم ، في ( راء ) ونكفر ،
يَسْئَلُونَكَ
؛ أي : يسألك يا محمد كفار قريش سؤال استهزاء وسخرية
عَنِ السَّاعَةِ
؛ أي : عن وقت قيام الساعة ومجيء القيامة ، والساعة من الأسماء الغالبة ، كالنجم للثريا ، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة على حين غفلة من الناس ، أو لأنّ حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة ، أو لأنّها مع طولها في نفسها عند الخلق كساعة من الساعات عند اللّه .
وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم ؛ أي :
يسألونك عن الساعة بقولهم
أَيَّانَ مُرْساها
؛ أي : متى إرساؤها ووقوعها وحصولها ، وكأنه شبهها بالسفينة القائمة في البحر تشبيها للمعاني بالأجسام ، والساعة الوقت الذي تموت فيها الخلائق ، وقرأ الجمهور :
أَيَّانَ
بفتح الهمزة ، والسلمي بكسرها حيث وقعت ، وهي لغة قومه بني سليم .
قُلْ
لهم يا محمد في جواب سؤالهم
إِنَّما عِلْمُها
؛ أي : علم وقت مجيئها كائن
عِنْدَ رَبِّي
سبحانه قد انفرد بعلمها ، بحيث لم يخبر به أحدا من ملك مقرب ، أو نبي مرسل ؛ أي : ما علمها حاصل إلا عند اللّه سبحانه وتعالى ، والمعنى : يسألونك أيها الرسول عن الساعة يقولون : متى إرساؤها واستقرارها ؟ - والسائلون هم قريش - لأنّ السورة مكية ولم يكن في مكة أحد من اليهود ، وسؤالهم عن هذا الوقت استبعاد منهم لوقوعه ، وتكذيب بوجوده ، كما جاء حكاية عنهم :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ *
48 وقال تعالى :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
18 . وفي التعبير عن زمن وقوعها - بالإرساء الدال على استقرار ما شأنه الحركة والاضطراب - إيماء إلى أنّ قيام الساعة هو انتهاء أمر هذا العالم ، وانقضاء عمر هذه الأرض التي تدور بما فيها من العوالم المتحركة المضطربة
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
؛ أي : قل إن علم الساعة عند ربي وحده ، لا عندي ولا عند غيري من الخلق ، وقد جاء بمعنى الآية قوله :
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها
وقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 )