بآياته المنزلة على رسوله ، بعد أن أيدها بالأدلة العقلية والكونية ، وهو مثل من آتاه اللّه آياته فكان عالما بها ، قادرا على بيانها ، والجدل بها ، لكنّه لم يؤت العمل مع العلم ، بل كان عمله مخالفا لعلمه فسلبها لأنّ العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول ، فأشبه الحية تنسلخ من جلدها ، وتخرج منه وتتركه على الأرض .
وقال أبو حيان : مناسبة هذه الآيات لما قبلها : أنّ اللّه سبحانه وتعالى لما « 1 » ذكر أخذ الميثاق على توحيده تعالى وتقرير ربوبيته ، وذكر إقرارهم بذلك وإشهادهم على أنفسهم . . ذكر حال من آمن به ، ثم بعد ذلك كفر ، كحال اليهود كانوا مقرين منتظرين بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لما اطلعوا عليه من كتب اللّه المنزلة ، وتبشيرها به ، وبذكر صفاته ، فلما بعث . . كفروا ، فذكروا أنّ ما صدر منهم هو طريقة لأسلافهم اتبعوها .
قوله تعالى :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي . . .
الآية ، مناسبة هذه الآية لما قبلها : أنّ اللّه سبحانه وتعالى لما أمر « 2 » نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقص قصص المنسلخ عن آيات اللّه تعالى على أولئك الضالين الذين حالهم كحاله ليتفكروا فيه ، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة ، ويعودوا إلى حظيرة الحق . . أردف ذلك ببيان أنّ أسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعد لأحدهما إلى إحدى الغايتين بتقدير اللّه تعالى ، والسير على سننه في استعمال مواهبه ، وهداياته الفطرية من العقل والحواس في أحد السبيلين كما قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 )
و
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
.
وقال أبو حيان : مناسبتها لما قبلها : أن اللّه سبحانه وتعالى لما قدم ذكر المهتدين والضالين . . أخبر هنا أنّه هو المتصرف فيهم بما شاء من هداية وضلال . انتهى .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . . .
مناسبة « 3 » هذه
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) المراغي .
( 3 ) البحر المحيط .