غيركم ، كالتخصيص بتلك الآيات القاهرات ؛ فإنه لم يحصل مثلها لأحد من العالمين ، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال « 1 » ، مثاله : رجل تعلم علما واحدا ، وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم ، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد ، وفي الحقيقة أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد ، والمعنى : أأمركم أن تعبدوا ربا يتخذ ويطلب ، بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإيجاد وإعطاء الحياة ، وجميع النعم ، والاستفهام فيه للإنكار والتعجيب والتوبيخ .
والخلاصة « 2 » : أن موسى بدأ جوابه لقومه بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم ، وثنى ببيان فساد ما طلبوه ، وكونه عرضة للتبار والزوال ؛ لأنّه باطل في نفسه ، ثم انتقل إلى بيان أن العبادة لغير اللّه لا تصح البتة ، سواء أكان المعبود أفضل المخلوقات كالملائكة والنبيين ، أو أخسها كالأصنام ، ثم أنكر عليهم أن يكون هو الوساطة في هذا الجعل الذي دعا إليه الجهل ، ليعلمهم أن طلب هذا الأمر المنكر منه عليه السلام جهل بمعنى رسالته ، وأيد إنكاره لكلا الأمرين بما يعرفون من فضل اللّه تعالى عليهم ، بتفضيلهم على أهل زمانهم ، ممن كانوا أرقى منهم مدنية وحضارة ، وسعة ملك وسيادة على بعض الشعوب ، وهم فرعون وقومه ، برسالة موسى وهارون منهم ، وتجديد ملة إبراهيم فيهم ، وإيتائهما من الآيات ما تقدم ذكره .
ثم ذكر سبحانه وتعالى منته على بني إسرائيل فقال :
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
؛ أي : واذكروا يا بني إسرائيل قصة وقت إنجائنا إياكم من فرعون وقومه بإهلاكهم بالكلية ، حالة كون آل فرعون
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
؛ أي :
يذيقونكم أشد العذاب باستعمالكم في الأعمال الشاقة ، وحالة كونهم
يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ
صغارا
وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
؛ أي : ويبقون بناتكم بلا قتل لاستخدامهن ، وجملة
يُقَتِّلُونَ
وما بعدها مفسرة ل
يَسُومُونَكُمْ
، أو بدل منه
وَفِي ذلِكُمْ
هامش
( 1 ) المراح .
( 2 ) المراغي .