تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
يهدي سالكه إلى سعادة الدنيا والآخرة ، وهو الذي يدعوكم إلى طلبه منه حين تناجونه ، فتقولون :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
، وعرفني
دِيناً قِيَماً
؛ أي : دينا صادقا ثابتا قويما مصلحا يستقيم به أمور الناس في معاشهم ومعادهم ، وبه يصلحون . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو « 1 » : قيّما بوزن سيد - بفتح القاف وكسر الياء المشددة - : فيعل من قام ؛ كسيد من ساد ، وهو أبلغ من قائم . وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي
قِيَماً
- بكسر القاف وتخفيف الياء - وهو مصدر كالصغر والكبر ، والحول والشبع وصف به مبالغة ؛ أي : دينا ذا قيم ؛ أي : صدق ، وكان أصله أن يأتي بالواو ، فيقول : قوما كما قالوا : عوض وحول ، ولكنه شذّ عن القياس . الزموا
مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
؛ أي : دينه وشريعته وما أوحي به إليه من الحنيفية السمحة حالة كون إبراهيم
حَنِيفاً
؛ أي : مائلا من الأديان الباطلة إلى الدين المستقيم
وَ
حالة كون إبراهيم أيضا
ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
باللّه يا معشر قريش ؛ أي إنه منزه من الشرك وما عليه المبطلون وفيه تكذيب لأهل مكة القائلين : إنهم على ملة إبراهيم ، وهم يعتقدون أن الملائكة بنات اللّه ، ولليهود الذين يقولون : عزير ابن اللّه ، وللنصارى القائلين : إن عيسى ابن اللّه ، وهذا كقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ( 125 )
. وهذا الدين هو دين الإخلاص للّه وحده ، وهو الدين الذي بعث به جميع رسله ، وقرره في جميع كتبه ، وجعله ملة إبراهيم ؛ لأنه هو النبي الذي أجمع على الاعتراف بفضله وصحة دينه مشركوا العرب وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وكانت قريش ومن لف لفها من العرب يسمون أنفسهم الحنفاء مدعين أنهم على ملة إبراهيم ، وهكذا فعل أهل الكتاب حين ادعوا اتباعه واتباع موسى وعيسى
هامش
( 1 ) زاد المسير .