موسى معه . فكلّ ما يكره الطبع فتحته أسرار خفيّة ، وحكمة بالغة . وأمّا على أنّ الرحمن لجلائل النعم : فإنّما أتبعه بالرحيم ؛ لدفع توهم أن يكون طلب العبد الشيء اليسير سوء أدب ، كما قيل لبعضهم : جئتك لحاجة يسيرة . قال : أطلب لها رجلا يسيرا ، فكأنّ اللّه سبحانه يقول : لو اقتصرت على الرحمن ؛ لاحتشمت عنّي ، ولكنّي رحيم فاطلب منّي حتى شراك نعلك ، وملح قدرك . انتهى .
وعبارة المراغي هنا : وقد ذكر سبحانه هذين الوصفين ؛ ليبيّن لعباده أن ربوبيته ربوبيّة رحمة وإحسان ، ليقبلوا على عمل ما يرضيه ، وهم مطمئنو النفوس منشرحو الصدور ، لا ربوبيّة جبروت وقهر لهم . والعقوبات التي شرعها اللّه سبحانه وتعالى لعباده في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، لمن تعدّى حدوده ، وانتهك حرماته ، هي قهر في الظاهر ، ورحمة في الحقيقة ؛ لأنها تربية للناس وزجر لهم حتى لا ينحرفوا عن الجادّة التي شرعها لهم ، إذ في اتباعها سعادتهم ونعيمهم ، وفي تجاوزها شقاؤهم وبلاؤهم ، ألا ترى إلى الوالد الرؤوف كيف يربّي أولاده بالترغيب في عمل ما ينفع ، والإحسان إليهم إذا لزموا الجادّة ، فإذا هم حادوا عن الصراط السويّ ، لجأ إلى الترهيب بالعقوبة حين لا يجد منها محيصا ؟ . قال أبو تمّام :
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
؛ أي : مالك الأمور ومدبّرها ، وقاضيها يوم المجازاة للعباد على أعمالهم ؛ بإثابة المؤمنين ، وعقاب الكافرين ، وهو يوم القيامة . هذا على قراءة الألف ، وقرئ بلا ألف ، والمعنى حينئذ ؛ أي : ذي الملك ، والسلطنة ، والقهر في ذلك اليوم ؛ لأنّه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلّا للّه تعالى بدليل
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
، أمّا في الدنيا : ففيها الملك ظاهرا لكثير من الناس ، فتحصّل : أنّ وصف الملكيّة ثابت له تعالى أزلا ، وظهوره يكون يوم القيامة ؛ لإقرار جميع الخلق به .
واختلف في أيّ القراءتين أبلغ وأولى ؟ فقيل : ملك بلا ألف ؛ لأنّه أعمّ وأبلغ من مالك ، إذ كلّ ملك مالك ولا عكس ؛ ولأنّ أمر الملك نافذ على