أنّه مختار في الإحسان لا موجب ، وفي ذلك استيفاء أسباب استحقاق الحمد ، من فيض الذات بربّ العالمين ، وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ، ولا خارج عنهما في الدنيا ، وفيض الأثوبة لطفا ، والأجزية عدلا في الآخرة ، ومن هذا يفهم وجه ترتيب الأوصاف الثلاثة .
والفرق بين
الرَّحْمنِ
و
الرَّحِيمِ
: إمّا باختصاص الحق بالأوّل ، أو بعمومه ، أو بجلائل النعم ، فعلى الأول : هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد ، والرحيم : بما يتصور صدوره منهم ، فذا كما روي عن ذي النون المصري - رحمة اللّه تعالى - قال : وقعت ولولة في قلبي ، فخرجت إلى شطّ النيل ، فرأيت عقربا يعدو ، فتبعته ، فوصل إلى ضفدع على الشطّ ، فركب ظهره ، وعبر به النيل ، فركبت السفينة واتبعته ، فنزل ، وعدا إلى شابّ نائم ، وإذا أفعى بقربه تقصده ، فتواثبا ، وتلادغا ، وماتا ، وسلم النائم .
ويحكى : أنّ ولد الغراب إذا خرج من القشر يكون كلحم أحمر ، ويفرّ الغراب منه ، فيجتمع عليه البعوض ، فيلتقمه إلى أن ينبت ريشه ، فعند ذلك تعود الأمّ إليه ، ولهذا قيل : يا رازق النّعاب في عشّه !
وأمّا على أنّ الرحمن عامّ ، فقيل : كيف ذلك وقلّما يخلو أحد ، بل حالة له عن نوع بلوى ؟ قلنا : الحوادث منها ما يظنّ أنّه رحمة ويكون نقمة ، وبالعكس ، قال اللّه تعالى :
فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
، فالأول كما قال الشاعر :
إنّ الشباب والفراغ والجده * مفسدة للمرء أيّ مفسده
وكلّ منها في الظاهر نعمة ، والثاني : كحبس الولد في المكتب ، وحمله على التعلّم بالضرب ، وكقطع اليد المتآكلة ، فالأبله يعتبر الظواهر ، والعاقل ينظر إلى السرائر ، فما من بليّة ومحنة إلّا وتحتها رحمة ومنحة ، وترك الخير الكثير للشر القليل شرّ كبير ، فالتكاليف ؛ لتطهير الأرواح عن العلائق الجسمانية ، وخلق النار ؛ لصرف الأشرار إلى أعمال الأبرار ، وخلق الشيطان ؛ لتميّز المخلصين من العباد ، فشأن المحقق أن يبني على الحقائق ، كالخضر عليه السلام في قصّة