ولمّا فرغ سبحانه من محاورة موسى لقومه . . شرع في محاورتهم له عليه السلام ، فقال :
وَإِذْ قُلْتُمْ
هذا هو الإنعام السادس ؛ أي : واذكروا يا بني إسرائيل ! وقت قول السبعين من أسلافكم ، الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه إلى الطور للاعتذار عن عبادة العجل ، وهم غير السبعين الذين اختارهم موسى أوّل مرة ، حين أراد الانطلاق إلى الطور بعد غرق فرعون لأخذ التوراة
يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
؛ أي :
لن نصدّقك لأجل قولك ودعوتك على أنّ هذا كتاب اللّه ، وأنك سمعت كلامه ، وأنّ اللّه تعالى أمرنا بقبوله ، والعمل به ، ولم يريدوا « 1 » نفي الإيمان به بدليل : قولهم لك ، ولم يقولوا بك ، نحو :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
؛ أي بمصدّق .
وقيل معناه : لن نقرّ لك بأن التوراة من عند اللّه
حَتَّى نَرَى اللَّهَ
سبحانه وتعالى
جَهْرَةً
؛ أي : « 2 » عيانا لا ساتر بيننا وبينه ، كالجهر في الوضوح والانكشاف ؛ لأن الجهر في المسموعات ، والمعاينة في المبصرات ، ونصبها على المصدرية ؛ لأنها نوع من الرؤية ، فكأنها مصدر الفعل الناصب ، أو حال من الفاعل ؛ أي : حتى نرى اللّه مجاهرين ، أو من المفعول ؛ أي : حتى نرى اللّه مجاهرا بفتح الهاء ، وذلك أنّه لمّا تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل ، أمر اللّه تعالى موسى أن يختار من قومه رجالا يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم ، كما قال تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
وقال لهم : صوموا ، وتطهّروا ، وطهّروا ثيابكم ، ففعلوا ، وخرج بهم إلى طور سيناء ، فقالوا لموسى : أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا ، فقال موسى : أفعل ، فلمّا دنا موسى من الجبل ، وقع عليه الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام . وقعوا سجودا ، فسمعوا اللّه سبحانه يكلّم موسى ، يأمره ، وينهاه ، فلمّا انكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم ، فقالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ، كما بيّنه تعالى بقوله :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى
وقد عرفت أنّ هذا الظرف معطوف على الظروف المتقدمة ، وأنّ التقدير فيه : واذكروا
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) روح البيان .