تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وهذا بيان الحكمة دون العلة ؛ أي : الحكمة في إنزاله : أن يتدبّروا فيه ، فيعلموا أن اللّه تعالى لم يفعل ذلك إلا للدلالة على صحة نبوته ، فيجتهدوا بذلك في اتّباع الرشد ، وإذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد ؛ لأنه قد أتى من المعجزات بما يدلكم إذا تدبّرتم فيه على صحة دعواه النبوّة . والمعنى « 1 » : واذكروا نعمة إيتاء التوراة والآيات التي أيّدنا بها موسى ، لتهتدوا بالتدبر فيها ، والعمل بما تحويه من الشرائع ، ليعدّكم للاسترشاد بها ، حتى لا تقعوا في وثنيّة أخرى ، وأن من كمال الاستعداد لفهم الكتاب ، أن تعرفوا أنّ ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم دليل على صحة نبوته ، فتؤمنوا به ، وتهتدوا بهديه ، وتتبعوا سبيل الرشاد الذي سلكه . واعلم : أنه روي « 2 » : أن بني إسرائيل ، لمّا أمنوا من عدوهم بإغراق اللّه آل فرعون ، ودخلوا مصر ، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها ، فوعد اللّه سبحانه موسى أن ينزل عليه التوراة ، فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربي ، آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون ، وما تذرون ، ووعدهم أربعين ليلة ، واستخلف عليهم أخاه هارون ، فلما أتى الوعد جاءه جبريل على فرس ، يقال له : فرس الحياة ، لا يصيب شيئا إلا حيي ؛ ليذهب بموسى إلى ربه ، فلما رآه السامريّ ، وكان رجلا صائغا من أهل باجرمي ، واسمه ميحا ، ورأى مواضع الفرس تخضرّ من ذلك ، وكان منافقا ، أظهر الإسلام ، وكان من قوم يعبدون البقر ، فلما رأى جبريل على ذلك ، قال : إنّ لهذا شأنا ، وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل . وقيل : إنه عرف جبريل ، لأنّ أمه حين خافت عليه أن يذبح سنة ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل ، خلفته في غابة ، وكان جبريل يأتيه فيغذيه بأصابعه ، فكان السامريّ يمصّ من إبهام يمينه عسلا ، ومن إبهام شماله سمنا ، فلمّا رآه حين عبر البحر عرفه ، فقبض قبضة من أثر فرسه ، فلم تزل القبضة في يده حتى انطلق موسى إلى
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .