تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
الطور ، وكأن السامريّ سمعهم حين خرجوا من البحر ، وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا يا موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، ووقع في نفسه أن يفتنهم من هذا الوجه وكان بنو إسرائيل ، استعاروا حليّا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر ، بعلّة عرس لهم ، فأهلك اللّه تعالى فرعون ، وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فلمّا ذهب موسى إلى المناجاة ، عدّ بنو إسرائيل اليوم مع الليلة يومين ، فلمّا مضى عشرون يوما ، قالوا : قد تم أربعين ولم يرجع موسى إلينا فخالفنا ، فقال السامريّ : هاتوا الحلي التي استعرتموها ، أو أنّ موسى أمرهم أن يلقوها في حفرة ، حتى يرجع ويفعل ما يرى فيها ، فلما اجتمعت الحليّ صاغها السامريّ عجلا في ثلاثة أيام ، ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب سنبك فرس جبريل ، فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون ، فصار جسدا له خوار ؛ أي : صوت كصوت العجل ، وله لحم ، ودم ، وشعر . وقيل : دخل الريح في جوفه من خلفه وخرج من فيه ، كهيئة الخوار ، فقال للقوم : هذا إلهكم وإله موسى ، فنسي ؛ أي : أخطأ موسى الطريق وربّه هنا ، وهو ذهب يطلبه ، فأقبلوا كلهم على عبادة العجل إلا هارون ، مع اثني عشر ألفا اتبعوا هارون ، ولم يتبعه غيرهم ، وهارون قد نصحهم ، ونهاهم ، وقال : يا قوم ! إنما فتنتم به ، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري . قالوا : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى . وقيل : كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ، ثمّ زيدت العشر ، وكانت فتنتهم في تلك العشر ، فلمّا مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ، وظنّوا أنه قد مات ، ورأوا العجل وسمعوا قول السامري ، عكفوا على العجل يعبدونه . قال أبو اللّيث في « تفسيره » : وهذا الطريق أصحّ ، فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك ، ألقى الألواح ، فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد ، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون ، وأحرق العجل وذرّاه في البحر ، فشربوا من مائه حبّا للعجل ، فظهرت على شفاههم صفرة ، وورمت بطونهم ، فتابوا ، ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم ، وهذه حالهم . وأمّا هذه الأمة فلا يحتاجون إلى قتل النفس للتوبة في مثل هذه الصورة .