تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وعينين يبصر بهما ، ومنخرين يجد بهما كل رائحة ، وفما فيه لسان يتكلم به ، وحنك يجد به طعم كل شيء ، وبابين في جسده وهما قبله ودبره ، يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه ، وجعل عقله في دماغه ، وشرهه في كليتيه ، وغضبه في كبده ، وشجاعته في قلبه ، ورغبته في رئته ، وضحكه في طحاله ، وفرحه وحزنه في وجهه ، فسبحان من جعله يسمع بعظم ، ويبصر بشحم ، وينطق بلحم ، ويعرف بدم ، فلما سوّاه ونفخ فيه من روحه علّمه أسماء الأشياء كلها ؛ أي : ألهمه ، فوقع في قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه بتسمية الأشياء من عنده ، فعلمه جميع أسماء المسميات بكل اللّغات ، بأن أراه الأجناس التي خلقها ، وعلمه أن هذا اسمه فرس ، وهذا اسمه بعير ، وهذا اسمه كذا ، وعلّمه أحوالها وما يتعلّق بها من المنافع الدينية والدنيوية ، وعلمه أسماء الملائكة ، وأسماء ذريته كلهم ، وأسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شيء ، وأسماء المدن والقرى ، وأسماء الطير والشجر وما يكون ، وكل نسمة يخلقها إلى يوم القيامة ، وأسماء المطعومات والمشروبات ، وكل نعيم في الجنة ، وأسماء كل شيء حتى القصعة والقصيعة ، وحتى الجنّة والمحلب - والقصعة إناء الأكل معروف ، والقصيعة تصغيرها يعني : حتى الوضيع والحقير ، والجنة الترس ، والمحلب إناء يحلب فيه . وفي الخبر : لما خلق اللّه آدم ، بثّ فيه أسرار الأحرف ، ولم يبث في أحد من الملائكة ، فخرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات ، فجعلها اللّه صورا له ومثلت له بأنواع الأشكال . وفي الخبر : علّمه سبعمائة ألف لغة ، فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات إلا العربية ، فلما اصطفاه بالنبوة رد اللّه عليه جميع اللغات ، فكان من معجزاته ، تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاده إلى يوم القيامة ، من العربية ، والفارسية ، والرومية ، والسريانية ، واليونانية ، والعبرانية ، والزنجية ، والآراميّة ، وغيرها . قال بعض المفسرين : علم اللّه آدم ألف حرفة من المكاسب ، ثم قال : قل لأولادك : إن أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ، ولا تطلبوها بالدين وأحكام الشرائع . وكان آدم حراثا ؛ أي : زراعا ، ونوح نجارا ، وإدريس خياطا ، وصالح تاجرا ، وداود زرّادا ، وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته ، ويأكل من ثمنه ولا