تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
بشأنك ملتبسين
بِحَمْدِكَ
وثنائك على ما أنعمت به علينا ، من فنون النعم التي من جملتها ، توفيقنا لهذه العبادة ، فالتسبيح ؛ لإظهار صفات الجلال ، والحمد ؛ لتذكير صفات الإنعام
وَنُقَدِّسُ
تقديسا
لَكَ
؛ أي : نصفك بما يليق بك ، من العلوّ والعزة ، وننزهك عما لا يليق بك ، فاللام للبيان ، كما في سقيا لك ، متعلقة بمصدر محذوف ، ويجوز أن تكون مزيدة ؛ أي : نقدسك . قال في « التّيسير » التسبيح : نفي ما لا يليق به ، والتقديس : إثبات ما يليق به ، وكأنّه قيل : أتستخلف من شأن ذريته الفساد ، مع وجود من ليس من شأنه ذلك أصلا ، والمقصود : عرض أحقيتهم منهم بالخلافة ، والاستفسار عما رجح بني آدم عليهم مع ما هو متوقّع منهم من الفساد ، وكأنه قيل : فما ذا قال اللّه تعالى حينئذ ؟ فقيل :
قالَ
اللّه سبحانه وتعالى جوابا لهم
إِنِّي أَعْلَمُ
من المصلحة في استخلاف آدم
ما لا تَعْلَمُونَ
ه ؛ لأنه قد يكون من ذريته الطائع والعاصي ، فيظهر الفضل والعدل ، وقد يكون منهم من يسبحني ، ويقدسني ، ويحمدني ، فلا تعترضوا على حكمي وتقديري ، ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيري ، فليس كلّ مخلوق يطلع على غيب الخالق ، ولا كلّ أحد من الرعية يقف على سرّ الملك ، وقالت الملائكة فيما بينهم : لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا ، ولا أعلم ؛ لسبقنا له ، ورؤيتنا ما لم يره ، فخلق اللّه آدم من أديم الأرض ؛ أي : ترابها ، وسواه ونفخ فيه من روحه ، فصار حيوانا حساسا بعد أن كان جمادا
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
« 1 » ؛ أي : خلق في قلبه علما بأسماء كل ما خلق ، من أجناس المحدثات بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاد آدم اليوم ، بعد أن عرض عليه المسميات ، كما عرضها على الملائكة ، فعلم المسميات مشترك بينه وبينهم ، واختصاصه عنهم إنما هو بالأسماء ، فكان يعرف أن هذا الجرم يسمى بكذا ، وهم يعرفون الجرم ولا يعرفون اسمه ، ففاق عليهم بعلم الأسماء . والحاصل : أنه سبحانه وتعالى ، لما أخبر « 2 » الملائكة عن وجه الحكمة في
هامش
( 1 ) العمدة . ( 2 ) البحر المحيط .