تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وعمّا هداهم إليه بالعقل ، والمشاعر ، والكتب المنزلة على من أوتوها . وفي هذا إيماء إلى أنّ علّة إضلالهم ، ما كانوا عليه من الخروج عن السنن الكونية التي جعلها عبرة لمن تذكّر ، فقد انصرفت أنظارهم عن التدبّر في حكمة المثل إلى حقارة الممثّل به ، حتى رسخت به جهالتهم ، وازدادت ضلالتهم ، فأنكروه . والفسق في اللغة « 1 » : الخروج ، وفي الشرع : الخروج عن طاعة اللّه بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة ، وله طبقات ثلاث : الأولى : التغابي ، وهو ارتكابها أحيانا مستقبحا لها . والثانية : الانهماك في تعاطيها . والثالثة : المثابرة عليها مع جحود قبحها ، وهذه الطبقة من مراتب الكفر ، فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن ، لاتصافه بالتصديق الذي يدور عليه الإيمان . ثمّ زاد في ذمّ الفاسقين بذكر أوصاف مستقبحة لهم ، فقال :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
أي : يخالفون ، ويتركون أمر اللّه تعالى
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
؛ أي : من بعد توثيق ذلك العهد ، وتوكيده بالقبول . فالضمير للعهد ، أو من بعد توثيق اللّه سبحانه ذلك العهد ، بإنزال الكتب وإرسال الرسل ، فالضمير إلى اللّه . فالمراد بالميثاق هنا : نفس المصدر لا نفس العهد . أي : الذين يخالفون أمر اللّه ووصيّته في الكتب المتقدمة ، بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من بعد ميثاقه وتوكيده عليهم ، وإيجاب وفائه عليهم المذكور في آية
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
الآية . وقيل « 2 » : المراد بالعهد : هو الحجة القائمة على عباده الدالّة على وجوب
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) العمدة .