تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
فعلوا ذلك أعدّوا أنفسهم للتقوى ، وبلغوا الغاية القصوى . ثمّ عدّد بعض نعمه المتظاهرة عليهم الموجبة للعبادة والشكر ، فجعل منها خلقهم أحياء قادرين على العمل والكسب ، ثمّ خلق الأرض مستقرّا ومهادا ؛ لينتفعوا بخيراتها ، ويستخرجوا معادنها ونباتها . ثمّ بنى لهم السماء التي زيّنها بالكواكب ، وجعل فيها مصابيح يهتدي بها الساري في الليل المظلم ، وأنزل منها الماء ، فأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها وأشكالها ، أفليس في كلّ هذا ما يطوّح بالنظر ، ويهدي الفكر إلى أنّ خالق هذا الكون البديع المثال ، لا ندّ له ولا نظير ، وأنّ ما جعلوه أندادا له لا يقدرون على إيجاد شيء مما خلق ، وأنّهم يعلمون ذلك حقّ العلم ، فكيف يدعون غير اللّه من الأصنام والأحجار ، ويستشفعون به ، ويتوسّلون إليه مع أنّه لا خالق ولا رازق إلّا اللّه سبحانه وتعالى . قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا . . .
الآيتين ، مناسبتهما لما قبلهما : أنّ اللّه سبحانه وتعالى ، لمّا ذكر « 1 » أنّ الناس بالنظر إلى القرآن أقسام ثلاثة : متقون يهتدون بهديه ، وجاحدون معاندون معرضون عن سماع حججه وبراهينه ، ومذبذبون بين ذلك . . طلب هنا إلى الجاحدين المعاندين في نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وفي أنّ القرآن معجزته ، أن يتعرّفوا إن كان هو من عند اللّه كما يدّعي هو أو من عند نفسه كما يدّعون ، فيروّزوا أنفسهم ، ويحاكموه ، لعلّهم يأتون بمثل سورة من أقصر سورة ، وهم فرسان البلاغة ، وعصرهم أرقى عصور الفصاحة ، والكلام ديدنهم ، وبه تفاخرهم ، وكثير منهم حاز قصب السبق في هذا المضمار ، ولم يكن محمد من بينهم ، فهو لم يمرّن عليه ، ولم يبار أهله ، ولم ينافسهم فيه . فإن عجزوا ولم يستطيعوا ذلك ، وهم لا يستطيعون ، وإن تظاهر أنصارهم وكثر أشياعهم ، بل لو اجتمعت الإنس والجنّ جميعا ، فليعلموا أنّ ما جاءهم به ، فأعجزهم لم يكن إلّا بوحي سماوي وإمداد إلهيّ ، لا يسمو إليه محمد بعقله ، ولا
هامش
( 1 ) المراغي .