تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أي : والذين يصدّقون
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
يا محمد ، وهو القرآن الذي يتلى ، والوحي الذي لا يتلى . وهو ما بيّنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أعداد الركعات ، ونصب الزكوات ، وحدود الجنايات . قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
، وقال أيضا :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
. والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ ؛ لتغليب المحقّق على المقدّر ، أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحقّقه منزلة الواقع ، كما في قوله تعالى :
إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
مع أنّ الجنّ ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ، ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا . وفي « الكواشي » : لأنّ القرآن شيء واحد في الحكم ، ولأنّ المؤمن ببعضه مؤمن بكلّه . انتهى . والإنزال هنا « 1 » : بمعنى الوحي ، وسمّي إنزالا ، وهو نقل الشيء من العلو إلى السفل ، ولا يكون إلّا في الأجسام ؛ لما في جانب الألوهية من علوّ الخالق على المخلوق ، أو لإنزال جبريل له على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لتبليغه للخلق ، كما قال في آية أخرى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
؛ يعني : أنّ الإنزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل ، وهو إنّما يلحق المعاني بواسطة لحوقه الذوات الحاملة لها ، فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهيّة إلى الرسل عليهم السلام واللّه أعلم : بأن يتلقّاها الملك من جنابه تعالى تلقّيا روحانيا ، أو يحفظها من اللوح المحفوظ ، فينزل بها إلى الرسل ، فيلقيها عليهم .
وَ
يؤمنون ب
ما أُنْزِلَ
من الكتب السالفة من التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وغيرها على الرسل الذين أرسلوا
مِنْ قَبْلِكَ
إيمانا إجماليّا لا تفصيليا ، والإيمان بالكل جملة فرض عين ، وبالقرآن تفصيلا من حيث إنّا متعبّدون بتفاصيله فرض كفاية ، فإنّ في وجوبه على الكلّ عينا حرجا بيّنا ، وإخلالا بأمر المعاش . قال في « التيسير » : « 2 » الإيمان بكلّ الكتب مع تنافي أحكامها على وجهين :
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 118 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي