الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ *
؛ أي : يؤمنون ملتبسين بالغيبة إما عن المؤمن به ؛ أي : غائبين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، غير مشاهدين لما معه من شواهد النبوة ، وإما عن الناس ؛ أي : غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا :
آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم . وقيل : المراد بالغيب القلب ؛ لأنّه مستور ، والمعنى : يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فالباء حينئذ للآلة . وترك ذكر المؤمن به على التقادير الثلاثة ؛ إيماء للقصد إلى إحداث نفس الفعل ، كما في قولهم : فلان يعطي ويمنع ؛ أي : يفعلون الإيمان ، وإما للاكتفاء بما سيجيء ، فإنّ الكتب الإلهية ناطقة بتفاصيل ما يجب الإيمان به .
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
؛ أي : يؤدّونها بحقوقها الظاهرية من الشروط ، والأركان ، والسنن ، وترك المفسدات ، والمكروهات ، والباطنية ، كالخشوع ، وحضور القلب ، والإخلاص . والصلاة في هذه الآية : اسم جنس ، أريد بها الصلوات الخمس ، كما في « الروح » . وإقامتها : عبارة عن تعديل أركانها ، وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها ، وسننها ، وآدابها خلل ، من أقام العود إذا قوّمه وعدّله . وقيل : عبارة عن المواظبة عليها من قولهم : قامت السوق إذا نفقت . وقيل : عبارة عن التشمير لأدائها من غير فتور ولا توان ، من قولهم : قام بالأمر وأقامه إذا جدّ فيه وتجاد ، وضدّه قعد عن الأمر وتقاعد .
واعلم : أنّ الصلاة في اللغة : الدعاء ، كما قال تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
، ودعاء المعبود بالقول ، أو بالفعل ، أو بكليهما ، يشعر العابد بالحاجة إليه ؛ استدرارا للنعمة ، أو دفعا للنقمة ، والصلاة على النحو الذي شرعه الإسلام ، من أفضل ما يعبّر عن الشعور بعظمة المعبود وشديد الحاجة إليه ، لو أقيمت على وجهها ، أمّا إذا خلت عن الخشوع ، فإنّها تكون صلاة لا روح لها ، وإن كانت قد وجدت صورتها ، وهي الكيفيات المخصوصة ، ولا يقال للمصلّي حينئذ : أنّه امتثل أمر ربه ، فأقام الصلاة ؛ لأنّ الإقامة مأخوذة من أقام العود ، إذا سواه وأزال اعوجاجه ، فلا بد فيها من حضور القلب في جميع أجزائها ، واستشعار الخشية