فيه حتى جعل نفس الهدى على حدّ : زيد عدل .
والمعنى ؛ أي : هذا الكتاب هاد ومرشد للمؤمنين المتصفين بالتقوى من سخط اللّه تعالى ، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه .
ثم وصف المتقين بقوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
؛ أي يصدّقون ويوقنون
بِالْغَيْبِ
أي : بالشيء الغائب عنهم مما لم تدركه عقولهم ، ولم تعرفه حواسّهم مما أخبرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو القرآن من اليوم الآخر وأحواله من البعث ، والحشر ، والحساب ، والميزان ، والصراط ، والجنة والنار ، وغير ذلك من أهواله .
والإيمان : تصديق جازم يقترن بإذعان النفس واستسلامها ، وأمارته : العمل بما يقتضيه الإيمان ، وهو يختلف باختلاف مراتب المؤمنين في اليقين . والغيب :
ما غاب عنهم علمه ، كذات اللّه سبحانه ، وملائكته ، ، والدار الآخرة وما فيها من البعث ، والنشور ، والحساب ، والمجازاة . والإيمان بالغيب : هو اعتقاد وجود موجود وراء المحسّسات ، متى أرشد إليه الدليل ، أو الوجدان السليم . ومن يعتقد بهذا يسهل عليه التصديق بوجود خالق للسماوات والأرض ، منزه عن المادّة وتوابعها ، وإذا وصف له الرسول العوالم التي استأثر اللّه وانفرد بعلمها ، كعالم الملائكة ، أو وصف له اليوم الآخر ، لم يصعب عليه التصديق به بعد أن يستيقن صدق النبي الذي جاء به ، أمّا من لا يعرف إلّا ما يدركه الحسّ ، فإنه يصعب إقناعه ، وقلّما تجد الدعوة إلى الحق من نفسه سبيلا .
وقوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
إمّا « 1 » موصول بالمتقين ، ومحلّه الجرّ على أنّه صفة مقيّدة له ، إن فسّرت التقوى بترك المعاصي فقط ، مرتّبة عليه ترتيب التحلية على التخلية ، أو موضحة إن فسرت التقوى بما هو المتعارف شرعا ، والمتبادر عرفا من فعل الطاعات ، وترك المعصيات معا ؛ لأنّها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصول إجمالا ، وصفة مادحة للموصوفين بالتقوى المفسّرة بما مرّ من فعل الطاعات ، وترك السيئات . وتخصيص ما ذكر من
هامش
( 1 ) الفتوحات .