تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
شمس وإن لم يرها الضرير ، والعسل عسل وإن لم يجد طعمه الممرور ، والمسك مسك وإن لم يدرك طيبه المأنوف . فالخيبة كلّ الخيبة ؛ لمن عطش ، والبحر زاخر ، وبقي في الظلمة والبدر زاهر ، وخبث والطيب حاضر ، والحسرة كل الحسرة ؛ لمن عصى وفسق ، والقرآن ناه آمر ، وفارق الرغبة والرهبة ، والوعد متواتر والوعيد متظاهر ، ولذلك قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ
. والمتقين : جمع متّق ، والمتقي : اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية ، وهي فرط الصيانة ، قال البغوي : هو مأخوذ من الاتقاء ، وأصله : الحاجز بين الشيئين ، ومنه يقال : اتقى بترسه ؛ أي : جعله حاجزا بين نفسه وبين من يقصده . وفي الحديث : كنّا إذا احمرّ البأس ، اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أي : إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدوّ ، فكأنّ المتقي يجعل امتثال أمر اللّه ، والاجتناب عمّا نهاه حاجزا بينه وبين العذاب . والتقوى في عرف الشرع « 1 » : عبارة عن كمال التوقّي عمّا ضرّه في الآخرة ، وله ثلاث مراتب : الأولى : التوقّي عن العذاب المخلّد ؛ بالتبرّي من الكفر ، وعليه قوله تعالى :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
. والثانية : التجنّب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم ، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع ، وهو المعني بقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
. والثالثة : أن يتنزّه عما يشغل سرّه عن الحقّ عزّ وجلّ ، ويتبتل إليه بكليته ، وهو التقوى الحقيقية المأمور بها في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
. وأقصى مراتب هذا النوع من التقوى : ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، حيث جمعوا رئاستي النبوة والولاية ، وما عاقهم التعلّق بعالم الأشباح ، عن العروج إلى عالم الأرواح ، ولم تصدّهم الملابسة بمصالح الخلق ، عن الاستغراق في شؤون الحقّ ؛ لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيّدة
هامش
( 1 ) روح البيان .