تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
قال النحاس : وأما : إن صدوكم بكسر ( إن ) فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان - وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست - فالصد كان قبل الآية ؛ وإذا قرئ بالكسر لم يجز إلا أن يكون بعده كما تقول : لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك ، فهذا لا يكون إلا للمستقبل ، وإن فتحت كان للماضي . وما أحسن هذا الكلام . وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيد شنآن بسكون النون ، لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة ، وخالفهما غيرهما فقال : ليس هذا مصدر ، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان « 1 » . أقول : تأمل هذا النهي ، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة ، كانوا أنفارا حربيين ، فكيف ينهى عن التعرض لهم ، وعن مقاتلتهم ، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ ، أو يقال : إن النهي عن ذلك من حيث عقد الصلح الواقع في الحديبية ، فبسببه صاروا مؤمنين مأمونين ، ولم أر من نبه على هذين الوجهين . ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بقوله :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك ، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى ، كائنا ما كان . قيل إن البر والتقوى لفظان بمعنى واحد ، وكرر للتأكيد . وقال ابن عطية : إن البر يتناول الواجب [ والمندوب ] « 2 » ، والتقوى تختص بالواجب « 3 » . وقال الماوردي : إن في البر رضى الناس ، وفي التقوى رضى اللّه ، فمن جمع بينهما ، فقد تمت سعادته . ثم نهاهم سبحانه بقوله :
هامش
أَنْ صَدُّوكُمْمفعول به . وانظر : الموضح ( 1 / 436 ) ، ومعاني الفراء ( 1 / 301 ) ، والسبعة لابن مجاهد ( 242 ) ، والنشر ( 2 / 254 ) ، والحجة لأبي زرعة ( 219 - 220 ) ، ولابن خالويه ، ومعاني القراءات ، والإقناع ، والمفتاح أربعتهم بتحقيقنا - ط دار الكتب العلمية - بيروت . ( 1 ) قال أبو عليّ الفارسي : من زعم أن فعلان إذا سكّنت عينه لم يكن مصدرا فقد أخطأ ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن تكون وصفا . . ( المحرر الوجيز 4 / 33 ) . ( 2 ) في « المطبوعة » « المندب » وهو خطأ واضح والصواب ما أثبت كما في « المحرر الوجيز » ( 4 / 332 ) . ( 3 ) وعبارة ابن عطية : والتقوى رعاية الواجب . ( 4 / 332 ) .