تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
البحر ، فإن غرق واحد خير من أن تغرق السفينة ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة فيها على يونس عليه السلام ، فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر ، فجاء حوت فابتعله ، فأوحى اللّه تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما فإنه ليس رزقا لك ، وإنما جعلتك له سجنا
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
أي في ظلمات بطن الحوت ، والبحر ، والليل ، وقيل : ابتلع حوته حوت آخر ، فحصل في ظلمتي بطن الحوتين ، وظلمة البحر والليل :
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
أي بأنه ف « أن » مخففة من « أن » المشددة أو بمعنى أي
سُبْحانَكَ
أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 87 ) بفراري من قومي بغير إذنك فكان ذلك ظلما ، فعوقب على ترك الأفضل الذي هو المكث فيهم صابرا على أذاهم فإنه خرج لا على تعمّد المعصية ، بل لظنه أن خروجه موسّع ، يجوز أن يقدّم ويؤخّر . فقد وصف يونس عليه السلام ربه ، بكمال الربوبية . ووصف نفسه بضعف البشرية ، والنقص في أداء حق الربوبية وهذا القدر يكفي في السؤال ولذا قال تعالى :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دعاءه . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له » .
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
بسبب كونه في بطن خطيئته ، فألقاه الحوت في الساحل من يومه أو بعد ثلاثة أيام ،
وَكَذلِكَ
، أي كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا
نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( 88 ) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين بهذا الدعاء .
وَزَكَرِيَّا
، أي واذكر خبره
إِذْ نادى رَبَّهُ
بقوله :
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً
أي وحيدا بلا ولد يرثني إرث نبوّة وعلم ، وحكمة ،
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
( 89 ) . أثنى عليه السلام على ربه لأنه ينكشف عن علمه أن عاقبة الأمور راجعة إلى اللّه تعالى . فإنه تعالى الباقي بعد فناء الخلق .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دعاءه
وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى
، نبيا حكيما عظيما
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
، للولادة بعد انتهائها إلى اليأس منها بحكم العادة . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان سن زكريا مائة ، وسن زوجته تسعا وتسعين
إِنَّهُمْ
أي زكريا وولده وأهله ،
كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
أي في طاعة اللّه تعالى ،
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
أي يفزعون إلينا رغبة في ثوابنا ، ورهبة من عقابنا ،
وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
( 90 ) أي خائفين متواضعين في عبادتهم ، حذرين عن الانبساط في الأمور .
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
أي واذكر خبر مريم التي أحصنت فرجها إحصانا كليّا ، من أن يصل إليه أحد بحلال أو حرام جميعا .
فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا
، أي فنفخنا الروح في عيسى فيها ، أي أحييناه في جوفها ، أي أجريناه فيه إجراء الهواء بالنفخ من جهة روحنا جبريل ،
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
( 91 ) . أما آيات مريم فظهور الحبل فيها لا من ذكر ، ورزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة ، وأنها لم تلتقم ثديا يوما قط . وتكلّمت في صباها ، كما تكلّم عيسى في صباه ، فجعلهما اللّه آية للناس ، فيستدلّون بما خصا به من الآيات على قدرته تعالى وحكمته .
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
أي